بيان العجب واحكامه للسيد الخوئي
العُجب وأحكامه
بحث مستل من موسوعة التنقيح لزعيم الحوزة الراحل السيد الخوئي اعلى الله في الجنان مقامه
الكلام في ذلك يقع في جهات:
الاُولى: في بيان مفهوم العجب لغة.
الثانية: في بيان منشئه وسببه.
الثالثة: في حكمه الشرعي من الحرمة والإباحة.
الرابعة: في أن العجب المتأخر يوجب بطلان العبادة أو لا.
الخامسة: في بطلان العبادة بالعجب المقارن وعدمه.
وهذه هي جهات البحث يترتب بعضها على بعض.
فالعجب على ما يظهر من أهل اللغة معناه إعظام العمل واعتقاد أنه عظيم إما لكيفيته كما إذا كانت صلاته مع البكاء من أوّلها إلى آخرها. وإمّا لكميّته كما إذا أطال في صلاته أو سجدته ونحوهما، كما حكى بعض مشايخنا(قدس اللََّه أسرارهم)عن بعضهم أنه سجد بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، ولأجل هذا وذلك اعتقد أن عمله عظيم. وإما من جهة عمله وكونه صادراً منه وأنه عظيم إذا صدر منه دون ما إذا صدر من غيره كما إذا كان ملكاً من الملوك فسجد وتخضع وتذلل، حيث إن الخضوع من الملك عظيم لأن فعل العظيم عظيم، فيرى أنه على عظمته يصلّي ويصوم ولا يصلِّي من دونه بمراحل فلذا يعظم عمله ويعتقده عظيماً. هذا كلّه في مفهوم العجب.
وأمّا الجهة الثانية:
وأمّا الجهة الثانية:
فالعجب إنما ينشأ عن انضمام أمر صحيح مباح إلى أمر باطل غير صحيح، لأنه ينشأ عن ملاحظة عمله وعبادته حيث وعد اللََّه سبحانه لها الجنّة والحور والثواب، وأن فاعلها ولي من أولياء اللََّه سبحانه وأن نوره يظهر لأهل السماء كما يظهر نور الكواكب لأهل الأرض، إلى غير ذلك من الآثار التي نطقت بها الأخبار والآيات. وهذا في نفسه أمر صحيح مباح، فإذا انضم إليه الجهل والغفلة عن عظمة اللََّه سبحانه ونعمه فيحصل له العجب ويعظم عمله وعبادته، لأنه لو كان عالماً بعظمة اللََّه جلّت آلاؤه وبنعمته التي أنعمها عليه، ليرى أن عبادته هذه لا تسوى ولا تقابل بجزء من ملايين جزء من تلك النعم، وأنها هي بجنب عظمته تعالى كالعدم.
فإذا زاد عليه علمه بأن العبادة التي تعجبها لم تصدر منه باستقلاله وإنما صدرت عنه بتوفيق اللََّه وإفاضته لم يبق له عجب في عمله بوجه، ومن هنا نرى أن العبّاد والزهّاد يتخضّعون في عباداتهم بأكثر ممن يتخضع للََّه غيرهم، لالتفاتهم إلى صغر عملهم بجنب آلائه وعظمته، وعلمهم بأن العمل إنما يصدر منهم بإفاضة اللََّه تعالى لا باستقلالهم ومعه لا يرون عملاً يعجب به، حيث ليست نسبة أعمالهم إلى نعمه تعالى كنسبة ما يبذله الفقير بالإضافة إلى ما يعطيه الملك، مثلاً يبذل ألف دينار والفقير يعطي باقة من الكراث، فيقابل ما أعطاه الفقير لما أعطاه الملك بنسبة الواحد أو الأقل إلى ألف أو الأكثر، حيث يصدر العمل من كل منهما باستقلاله، وهذا بخلاف عمل العبيد بالإضافة إلى نعمه جلت عظمته، حيث إن عملهم لا يصدر منهم باستقلالهم حتى يقابل بتلك النعم ولو بنسبة الواحد إلى الملايين وإنما يصدر عنهم بإفاضته، ومن هنا ورد في بعض الأخبار(كما في الحديث القدسي، أُصول الكافي 1: 152/ 6) إنِّي أولى بحسناتك منك.
فإذا زاد عليه علمه بأن العبادة التي تعجبها لم تصدر منه باستقلاله وإنما صدرت عنه بتوفيق اللََّه وإفاضته لم يبق له عجب في عمله بوجه، ومن هنا نرى أن العبّاد والزهّاد يتخضّعون في عباداتهم بأكثر ممن يتخضع للََّه غيرهم، لالتفاتهم إلى صغر عملهم بجنب آلائه وعظمته، وعلمهم بأن العمل إنما يصدر منهم بإفاضة اللََّه تعالى لا باستقلالهم ومعه لا يرون عملاً يعجب به، حيث ليست نسبة أعمالهم إلى نعمه تعالى كنسبة ما يبذله الفقير بالإضافة إلى ما يعطيه الملك، مثلاً يبذل ألف دينار والفقير يعطي باقة من الكراث، فيقابل ما أعطاه الفقير لما أعطاه الملك بنسبة الواحد أو الأقل إلى ألف أو الأكثر، حيث يصدر العمل من كل منهما باستقلاله، وهذا بخلاف عمل العبيد بالإضافة إلى نعمه جلت عظمته، حيث إن عملهم لا يصدر منهم باستقلالهم حتى يقابل بتلك النعم ولو بنسبة الواحد إلى الملايين وإنما يصدر عنهم بإفاضته، ومن هنا ورد في بعض الأخبار(كما في الحديث القدسي، أُصول الكافي 1: 152/ 6) إنِّي أولى بحسناتك منك.
فالمتحصل:
أن المنشأ للعجب إنما هو الجهل، بل قد يبلغ مرتبة يرى أن اللََّه لا يستحق ما أتى به من العبادة ولذا يمنّ بها عليه، نعوذ باللََّه منه ومن أمثاله، وذلك لأنه لا يعلم بأنعمه ويرى أن نعمته تعالى لا تقضي إلّا الإتيان بالفرائض فحسب ولم يعط ما يستحق به أكثر من الفرائض، فيأتي بصلاة الليل ويمن بها على اللََّه، لاعتقاده عدم استحقاقه تعالى لها، وأنها تفضل من العبد المسكين في حق اللََّه جلّت عظمته فقد يتعجب عن عدم قضاء حاجته مع أنه أتى بما فوق ما يستحقه اللََّه تعالى على عقيدته، وهذا يسمّى بالإدلال، وهو أعظم من المرتبة المتقدمة من العجب. وعن بعض علماء الأخلاق أن العجب نبات حبه الكفر. ولو أبدل الكفر بالجهل لكان أصح. ويؤيد ما ذكرناه ما يأتي من الكلام المحكي عن أمير المؤمنين(عليه السلام)فانتظره.
الجهة الثالثة:
قد اتضح مما ذكرناه في المقام أن العجب من الأوصاف النفسانية الخبيثة كالحسد وغيره من الأوصاف النفسانية التي تترتب عليها أفعال قبيحة، وهي خارجة عن الأفعال التي تصدر عن المكلفين فلا حكم لها بوجه، فهي غير محرمة ولا مباحة كالحسد ونحوه، وما يعقل أن يتعلق به حكم شرعي أحد أمرين: أحدهما: أن يجب شرعاً إعمال عمل يمنع عن حدوث تلك الصفة في النفس، وهو التفكّر في عظمة اللََّه ونعمه وفيما يصدر منه من العمل وأنه لا يصدر منه باستقلاله.
و ثانيهما: أن يجب إعمال عمل يزيل تلك الصفة على تقدير حصولها في النفس، كما إذا كبر وبلغ وهو معجب بعمله، فيجب عليه أن يتفكر فيما ذكرناه حتى يزيل عن نفسه هذه الصفة.
و هذان قابلان للوجوب شرعاً، إلّا أن الأخبار الواردة في المقام مما لا يستفاد منه وجوب التفكّر في الشريعة المقدّسة قبل حصول هذه الصفة أو بعده، ليمنع عن حدوثها أو يزيلها بعد تحققها. ويؤيد ما ذكرناه ما حكي عن أمير المؤمنين(عليه السلام)في نهج البلاغة من أن إعجاب المرء بعمله أو بنفسه دليل على ضعف عقله رواها الكليني(رحمه اللََّه)أيضاً في الأُصول[الكافي 1: 27/ 31]بسنده عن أمير المؤمنين(عليه السلام)و فيه: إعجاب المرء بنفسه. الوسائل 1: 100/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 6.، فهو أمر حاصل في النفس من قلّة العقل والجهل وغير قابل لأن يتعلّق به حكم شرعي بوجه.
الجهة الرابعة من الكلام في العجب وحاصلها:
أن العجب المتأخِّر هل يوجب بطلان العمل وإن قلنا بعدم حرمته، وذلك لإمكان أن يكون حدوث هذا الأمر والصفة موجباً لبطلان العمل شرعاً، أو لا يوجبه وإن أوجب حبط ثوابها؟ وهي التي تعرض لها الماتن(قدس سره)و حكم بعدم بطلان العمل بالعجب المتأخر وهذا هو المشهور بين الأصحاب(قدس اللََّه أسرارهم)بل ادعي عليه الإجماع.
إلّا أن المحقق الهمداني(قدس سره)نقل عن السيِّد المعاصر(قدس سره) والظاهر أنه السيِّد علي في كتابه البرهان بطلان العبادة بالعجب المتأخر فضلاً عن مقارنة مستدلّاً عليه بظواهر الأخبار الواردة في الباب، وقد أورد عليه باستحالة الشرط المتأخِّر وأن العمل بعد ما وقع مطابقاً للأمر وبعد ما حكم الشارع عليه بالصحّة يستحيل أن ينقلب عمّا وقع عليه بحدوث ذلك الأمر المتأخِّر، وأمّا الإجازة في البيع الفضولي فلا نلتزم بكونها شرطاً متأخِّراً وإنما نلتزم هناك بالكشف الحكمي.
هذا ولكنّا ذكرنا في محلِّه أن الشرط المتأخِّر ممّا لا استحالة فيه ولا مانع من اشتراط العمل بأمر متأخِّر، لأنّ مرجعه إلى تقيد العمل بأن يأتي بعده بأمر كذا فالواجب هو الحصّة الخاصة من العمل وهو الذي يتعقب بالشرط، فإذا أتى بالعبادة ولم يتحقّق بعدها ذلك الشرط كشف هذا عن أن ما تحقّق لم تكن هي الحصّة الخاصّة المأمور بها فلا محالة تقع باطلة، فالشرط المتأخر أمر ممكن.
هذا ولكنّا ذكرنا في محلِّه أن الشرط المتأخِّر ممّا لا استحالة فيه ولا مانع من اشتراط العمل بأمر متأخِّر، لأنّ مرجعه إلى تقيد العمل بأن يأتي بعده بأمر كذا فالواجب هو الحصّة الخاصة من العمل وهو الذي يتعقب بالشرط، فإذا أتى بالعبادة ولم يتحقّق بعدها ذلك الشرط كشف هذا عن أن ما تحقّق لم تكن هي الحصّة الخاصّة المأمور بها فلا محالة تقع باطلة، فالشرط المتأخر أمر ممكن.
و إنّما الكلام في دلالة الدليل عليه في مقام الإثبات، والصحيح أنه لا دليل على اشتراط العبادة بعدم العجب المتأخِّر، لأن أكثر الأخبار الواردة في المقام كما تأتي في الجهة الخامسة إن شاء اللََّه تعالى ضعيفة سنداً. على أنها قاصرة الدلالة على بطلان العبادة بالعجب، فلا يمكن الاعتماد عليها في الأحكام الشرعية. على أنا لو فرضناها صحيحة من حيث الدلالة والسند أيضاً لم نكن نلتزم ببطلان العبادة بالعجب المتأخِّر وذلك للقطع بعدم كونه مبطلاً لها، فلا مناص من تأويل تلك الأخبار وحملها على نفي الثواب، وذلك لأن العجب ليس بأعظم من الكفر المتأخِّر، فلو أنّ المكلّف كفر ثمّ أسلم لم تجب عليه إعادة أعماله السابقة فضلاً عن قضائها، لأنه لا يوجب بطلان الأعمال المتقدِّمة فكيف بالعجب المتأخِّر، ولا نحتمل أن يجب على من عمره سبعون سنة مثلاً وقد أتاه العجب في ذلك السن قضاء جميع أعماله السابقة شرعاً، فلا بدّ من تأويل ما دلّ على بطلانها بالعجب لو فرضنا دلالة الأخبار الآتية عليه وتماميتها سنداً ودلالة.
و أمّا ما ورد من أن سيّئة تسوءك خير عند اللََّه من حسنة تعجبك فمعناه أن السيّئة بعد الندم عليها الذي هو المراد من قوله تسوءك تتبدّل بالحسنة، لأن التائب من ذنب كمن لا ذنب له، والتوبة عبادة موجبة للتقرّب من اللََّه تعالى. وأظن أن قوله تعالى (( فَأُوْلََئِكَ يُبَدِّلُ اَللََّهُ سَيِّئََاتِهِمْ حَسَنََاتٍ )) إنما فسرت بالتوبة بعد المعصية لأنها عبادة ونتيجتها حسنة، وهذا بخلاف العبادة التي توجب العجب، لأنه يذهب بثواب العبادة فلا يبقى فيها حسنة كما يبقى في التوبة بعد السيّئة، ولا يستلزم كون السيّئة المتعقبة بالندم خيراً من العبادة المتعقبة بالعجب بطلانَ تلك العبادة بوجه. فالمتحصل أن العجب المتأخر لا يقلب العبادة الواقعة مطابقة للأمر عما وقعت عليه من الصحّة.
و هذا بناء على ما سلكناه في محلِّه من أن الأجر والثواب ليسا من جهة استحقاق المكلّف أو الأُجرة وإنما هما من باب التفضل، لأن الامتثال والطاعة التي أتى بها المكلّف من وظائف العبودية، والإتيان بوظيفة العبودية لا يوجب الثواب لأنه عبد عمل بوظيفته ، فالثواب تفضل منه سبحانه وقد قال عزّ من قائل (( وَلَوْلاََ فَضْلُ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مََا زَكىََ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً )) أمر ظاهر، لأن التفضّل بالثواب إنما هو فيما إذا لم يتعقب العمل بالعجب الذي هو من الملكات القبيحة والأخلاق السيّئة وإن لم يكن محرماً تكليفا.
الجهة الخامسة من الكلام في العجب، وأن العبادة هل تبطل بالعجب المقارن؟
وحاصل الكلام فيها أنه كالعجب المتأخر غير موجب لبطلان العبادة، وإن نقل المحقِّق الهمداني عن السيِّد المعاصر(قدس سره) بطلانها بكل من العجب المقارن والمتأخِّر، إلّا أن المشهور عدم البطلان مطلقاً وهو الصحيح، وذلك لعدم دلالة الدليل على البطلان بالعجب، نعم العجب يوجب بطلان العبادة في مقام إعطاء الثواب فلا يثاب بها عاملها، لا في مقام الامتثال حتى تجب إعادتها فضلاً عن قضائها والأخبار الواردة في المقام أيضاً لا دلالة لها على بطلان العبادة بالعجب المقارن فضلاً من المتأخِّر، وهي جملة من الأخبار:
منها: ما عن الخصال عن أبي عبد اللََّه(عليه السلام) قال «قال إبليس: إذا استمكنت من ابن آدم في ثلاث لم أُبال ما عمل، فإنه غير مقبول منه، إذا استكثر عمله، ونسي ذنبه، ودخله العجب»الوسائل 1: 98/ أبواب مقدّمة العبادات ب 22 ح 7.، والرواية لا بأس بها سنداً، لأن والد البرقي وهو محمّد بن خالد وإن كان فيه كلام إلّا أنا قدمنا وثاقته، ولكن موردها هو العجب المقارن دون المتأخِّر لأن إبليس إنما لا يبالي بما عمله ابن آدم بعد استمكانه منه لا قبله، فالأعمال المتقدمة منه السابقة على استمكان اللعين مما يبالي بها لصحّتها وعدم بطلانها بالعجب المتأخر، وإنما لا يبالي بما عمله بعد استمكانه بتحقّق أحد الأُمور المذكورة في الحديث، فموردها العجب المقارن لا محالة.
و لكنّها لا دلالة لها على بطلان العمل بالعجب المقارن، لأن عدم المبالاة إنما يصح إطلاقه في العمل المقتضي للمبالاة في نفسه، فقوله«لا أُبالي» يدلّ على صحّة العمل المقارن بالعجب، وإلّا فلو كانت العبادة باطلة به لما صح إطلاق عدم المبالاة حينئذ لأنها ممّا يسرّ الشيطان حيث إنها إذا كانت باطلة فالإتيان بها يكون محرماً للتشريع وحيث أن همّه إدخال العباد في الجحيم وإبعادهم عن اللََّه جلّت عظمته فيفرح بارتكابهم للمحرم المبعد عنه سبحانه، ولا معنى لعدم المبالاة إلّا في العمل الصحيح إلّا أنه لا يعتني به ولا يتوحّش لطرو العجب المزيل لثوابه والمانع عن حصول التقرب به وإن كان صحيحاً في مقام الامتثال.
ومنها: ما عن أبي عبيدة عن أبي جعفر(عليه السلام) قال «قال رسول اللََّه(صلّى اللََّه عليه وآله وسلم) قال اللََّه تعالى: إن من عبادي المؤمنين لمن يجتهد في عبادتي فيقوم من رقاده ولذيذ وساده فيجتهد لي الليالي فيتعب نفسه في عبادتي، فأضربه بالنعاس الليلة والليلتين نظراً مني له وإبقاء عليه فينام حتى يصبح فيقوم وهو ماقت زارئ لنفسه عليها، ولو اُخلي بينه وبين ما يريد من عبادتي لدخله العجب من ذلك، فيصيره العجب إلى الفتنة بأعماله فيأتيه من ذلك ما فيه هلاكه لعجبه بأعماله ورضاه نفسه حتى يظن أنه قد فاق العابدين وجاز في عبادته حدّ التقصير، فيتباعد مني عند ذلك وهو يظن أنه يتقرّب إليّ»
الوسائل 1: 98/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 1.وهي أيضاً مما لا بأس بسندها، وقد وردت مؤكدة لأحد التفسيرين الواردين في قوله تعالى (( كََانُوا قَلِيلاً مِنَ اَللَّيْلِ مََا يَهْجَعُونَ )) حيث فسّر تارة بكل جزء من أجزاء الليلة الواحدة، والمعنى أنه قليل من كل ليلة من الليالي ما يهجعون ويستريحون، لأنهم يشتغلون في أكثر ساعات الليلة بالعبادة وصلاة الليل ولا ينامون إلّا قليلاً، وأُخرى بكل فرد من أفراد الليل بمعنى أنهم في بعض أفراد الليل أي في بعض الليالي ينامون ويهجعون ولا يشغلونها بالعبادة والصلاة. والرواية مؤكدة للتفسير الثاني كما عرفت.
إلّا أنها كسابقتها في عدم الدلالة على بطلان العبادة بالعجب، وغاية ما هناك دلالتها على أن العجب من المهلكات والأوصاف القبيحة وقد ينتهي به الأمر إلى أنه يرى نفسه أوّل العابدين، وبه يناله الحرمان عما يصله لولاه، وهذا مما لا كلام فيه لما مرّ من أن منشأ العجب الجهل، وهو قد يبلغ بالإنسان مرتبة يمن بعمله على اللََّه سبحانه حيث لا يرى استحقاقه في العبادة إلّا بمقدار الإتيان بالفرائض، ويعتقد أن المستحبات التي يأتي بها كلها زائدة عن حدّ استحقاقه تعالى فيمنّ بها عليه، بل قد يفضل نفسه على أكثر العباد والمقربين. وقد حكي عن بعضهم أنه كان يفضل نفسه على العباس(سلام اللََّه عليه) لجهله، وحسبان أنه قد أشغل سنه بالعبادة والبحث وأتعب نفسه خمسين سنة أو أقل أو أكثر في سبيل رضا اللََّه سبحانه، وهو(سلام اللََّه عليه)إنما اشتغل بالحرب ساعتين أو أكثر فيفضل نفسه عليه(عليه السلام)، وبذلك قد يناله الحرمان عن شفاعة الأئمة الأطهار فيتباعد عن اللََّه سبحانه. إلّا أن العجب يوجب بطلان العبادة فهو مما لا يستفاد من الرواية بوجه.
ومنها: ما عن عبد الرحمََن بن الحجاج عن أبي عبد اللََّه(عليه السلام) قال «قلت لأبي عبد اللََّه(عليه السلام): الرجل يعمل العمل وهو خائف مشفق ثمّ يعمل شيئاً من البرّ فيدخله شبه العجب به، فقال: هو في حاله الاُولى وهو خائف أحسن حالاً منه في حال عجبه»
الوسائل 1: 99/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 2.
وربّما يتوهم أن في سند الرواية إشكالاً، لأن فيه محمّد بن عيسى عن يونس، وقد تكلّم بعضهم فيما رواها محمّد هذا عن يونس، وهو توهم فاسد، وقد ذكرنا في محلِّه أنّ الرّجل في نفسه ممّا لا كلام عليه كما أن روايته عن يونس كذلك معجم رجال الحديث 18: 91.
فليراجع.
وأما دلالتها فهي أيضاً قاصرة حيث لم يقل(عليه السلام): إن عمله الأوّل أي القبيح الذي يستكشف بقرينة المقابلة أحسن من عبادته التي فيها عجب، بل قال: إن حالته في ذلك العمل أعني الخوف الذي هو عبادة أُخرى عند الندم والتوبة لأن حقيقتها الخوف والندم أحسن من حالته الثانية وهي العجب وهو مما لا كلام فيه وإنما البحث في بطلان العبادة بالعجب وهو لا يكاد يستفاد من الحديث.
و منها: ما عن يونس عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللََّه(عليه السلام) قال «قال رسول اللََّه(صلّى اللََّه عليه وآله) في حديث قال موسى بن عمران(عليه السلام) لإبليس:
أخبرني بالذنب الذي إذا أذنبه ابن آدم استحوذت عليه، قال: إذا أعجبته نفسه، واستكثر عمله، وصغر في عينه ذنبه. وقال قال اللََّه عزّ وجلّ لداود: يا داود بشر المذنبين وأنذر الصديقين، قال: كيف أُبشر المذنبين وأُنذر الصديقين؟ قال: يا داود بشر المذنبين أني أقبل التوبة وأعفو عن الذنب، وأنذر الصديقين أن لا يعجبوا بأعمالهم فإنه ليس عبد أنصبه للحساب إلّا هلك» الوسائل 1: 99/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 3.
وهي ضعيفة السند بالإرسال، وعادمة الدلالة على بطلان العمل بالإعجاب، لأن البشارة إنّما هي لقبول التوبة بعد الذنب، لا للذنب في مقابل العبادة التي فيها عجب والرواية إنّما تدل على ما قدمناه من أن الثواب والأجر تفضل منه سبحانه وليس باستحقاق منهم للثواب، كيف وقال سبحانه (( وَلَوْلاََ فَضْلُ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مََا زَكىََ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً )) لأنه إذا أعجبته عبادته فحاسبه اللََّه سبحانه على أعماله لم يخلص أحد من حسابه جلت عظمته وهلك، فان الإعجاب قد يبلغ بالإنسان إلى تلك المرتبة فيمنّ بعمله على اللََّه ويحاسبه اللََّه سبحانه على ما عمل وتصبح نتيجته الخسران والهلاكة.
ومنها: ما عن سعد الإسكاف عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «ثلاث قاصمات الظهر رجل استكثر عمله، ونسي ذنوبه، وأعجب برأيه» الوسائل 1: 97/ أبواب مقدّمة العبادات ب 22 ح 6.
وهي على تقدير تمامية سندها أجنبية عما نحن بصدده رأساً، لأن الكلام في إعجاب المرء بعمله، وأما الإعجاب برأيه وعقله وحسبان إنه أعقل الناس فهو أمر آخر لا كلام لنا فيه، ولا إشكال في أنه من المهلكات لأنه إذا رأى نفسه أعقل الناس وترك مشاورتهم واستقلّ في أعماله برأيه فلا محالة يقع في المهلكة والخسران. ثمّ على تقدير إرادة العمل من الرأي لا دلالة لها على بطلان العبادة بالعجب، لأنها إنما دلّت على أن العجب قاصم للظهر لما يترتب عليه من المفاسد والمخاطر من تحقير عمل غيره والغرور والكبر، بل وتحقير اللََّه سبحانه بالمن بعبادته، وأما أنه يوجب بطلان العمل المقارن به أيضاً فلا يستفاد منها بوجه.
ومنها: ما عن عبد الرحمََن بن الحجاج عن أبي عبد اللََّه(عليه السلام) قال: «إن الرجل ليذنب الذنب فيندم عليه ويعمل العمل فيسره ذلك فيتراخى عن حاله تلك فلإن يكون على حاله تلك خير له ممّا دخل فيه»الوسائل 1: 99/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 4.
ولا بأس بها سنداً، وأما من حيث الدلالة فلا يستفاد منها بطلان العبادة بالعجب، وأما كون حالة التندم خيراً من حالة العجب والسرور فهو من جهة أنه بالتندم تتبدل السيّئة حسنة، حيث وردت الآية المباركة (( فَأُوْلََئِكَ يُبَدِّلُ اَللََّهُ سَيِّئََاتِهِمْ حَسَنََاتٍ )) في حق التائبين من الذنوب، وهذا بخلاف العجب بالعبادة لأنه يذهب بثوابها كما مرّ غير مرّة.
ومنها: ما عن علي بن سويد عن أبي الحسن(عليه السلام) قال: «سألته عن العجب الذي يفسد العمل، فقال: العجب درجات منها أن يزين للعبد سوء عمله فيراه حسناً كما يتفق ذلك لكثير فيفتخر العامل بعمله القبيح، وأني شربت الخمر أو ضربت فلاناً أو سببته أو أهنته، حيث يرى عمله القبيح حسناً ويفتخر به فيعجبه ويحسب أنه يحسن صنعاً، ومنها أن يؤمن العبد بربّه فيمن على اللََّه عزّ وجلّ وللََّه عليه فيه المن» الوسائل 1: 100/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 5.
حيث دلّت على أن فساد العمل بالعجب كان مفروغاً عنه عنده، وقد سأله عن أنه أي شيء. وفي سندها علي بن سويد، وقد يتوهم أنه مردد بين الموثق وغيره فلا يمكن الاعتماد على روايته، والصحيح أنه هو علي بن سويد السائي الذي هو من أصحاب الرضا(عليه السلام)و يروي عنه أحمد بن عمر الحلال وهو ثقة وقد نقل في جامع الرواة أيضاً هذه الرواية عنه جامع الرّواة 1: 585.
ولكن دلالتها قاصرة، لأن إفساد العبادة بالعجب وكونه مبطلاً لها إن لوحظ بالإضافة إلى نفس ذلك العمل السوء الذي يحسبه حسناً، ففيه أن المفروض فساد العمل بنفسه ولا معنى لفساده بالعجب المقارن له، وإن لوحظ بالإضافة إلى الأعمال المتقدِّمة فقد عرفت أن مجرد العجب المتأخر لا يوجب انقلاب الأعمال المتقدمة عما وقعت عليه من الصحّة والتمام، كما أن العجب في إيمانه لا معنى لكونه مبطلاً للإيمان، حيث إن الإيمان غير قابل للاتصاف بالصحّة والفساد، فلا بدّ من توجيه الرواية بأن للعجب درجات، والدرجة الكاملة منه وهي التي توجب حسبان العمل السوء حسناً أو ما يقتضي الامتنان على اللََّه تعالى مع أنه له سبحانه المنّة عليه، كما ورد في الآية المباركة (( قُلْ لاََ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلاََمَكُمْ بَلِ اَللََّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدََاكُمْ لِلْإِيمََانِ )) توجب فساد الأعمال المتقدِّمة، والالتزام بذلك ممّا لا يضرنا فيما نحن بصدده، لأنه أخص من المدعى وهو بطلان العمل بمطلق العجب. على أنّ الإفساد يمكن أن يكون بمعنى إذهاب الثواب، لا بمعنى جعل العمل باطلاً يجب إعادته أو قضاؤه.
ومنها: ما عن ميمون بن علي عن أبي عبد اللََّه(عليه السلام) قال «قال أمير المؤمنين(عليه السلام): إعجاب المرء بنفسه دليل على ضعف عقله» الوسائل 1: 100/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 6.
وهي مضافاً إلى ضعف سندها أجنبية عن بطلان العبادة بالعجب، وإنّما تدل على أنّ المعجب قليل العقل.
ومنها: ما عن علي بن أسباط عن رجل يرفعه عن أبي عبد اللََّه(عليه السلام)
قال: «إن اللََّه علم أن الذنب خير للمؤمن من العجب ولولا ذلك ما ابتلي مؤمن بذنب أبداً» الوسائل 1: 100/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 7.
وهي مرفوعة كالمرسلة من حيث السند، ولا دلالة لها على المدعى أيضاً لأنها لو دلّت فإنما تدلّ على أن العجب محرم من حيث مقدمته أو من حيث إزالته كالذنب، وأما بطلان العمل به فلا يستفاد منه بوجه. على أنها لا تدلّ على حرمته أيضاً وإلّا لم يكن لجعله في مقابل الذنب وجه، بل لا بدّ أن يقول إن هذا الذنب خير من ذلك الذنب.
و مع الإغماض عن جميع ذلك أيضاً لا دلالة لها على البطلان، لأن وجه كون الذنب خيراً أن المكلّف غالباً يدور أمره بين العجب بعمله، كما إذا عمل طيلة حياته بأعمال حسنة ولم يصدر منه ذنب لأنه حينئذ يعجب بنفسه حيث يرى صدور المعاصي عن غيره وهو لم يعمل إلّا خيراً، وبين أن يذنب ذنباً ويعقبه الندم لأن مفروض كلامه(عليه السلام)هو المؤمن، ومن الظاهر أن الذنب المتعقب بالندامة والتوبة خير من العبادة الموجبة للعجب، لأن العجب يذهب بآثار العبادة، بل قد يبلغ الإنسان مرتبة يمقتها الربّ الجليل لمنَّته على اللََّه سبحانه وتحقيره، وأما الذنب المتعقب بالندامة فهو يتبدل إلى الحسنة، لأن التائب عن ذنب كمن لا ذنب له، وقد عرفت أن الآية المباركة واردة في حق التائبين، وأما أن العبادة مع العجب باطلة فهو مما لا يستفاد منها بوجه.
ومنها: ما عن أبي عامر عن رجل عن أبي عبد اللََّه(عليه السلام) قال: «من دخله العجب هلك» الوسائل 1: 101/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 8.
وهي مضافاً إلى إرسالها لا تدل على بطلان العبادة بالعجب، وكونه موجباً للهلاك من جهة أنه قد يستلزم الكفر وتحقير اللََّه سبحانه والمنّة عليه وغير ذلك من المهالك.
ومنها: ما عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد اللََّه(عليه السلام) قال: «أتى عالم عابداً فقال له: كيف صلاتك؟ فقال: مثلي يسأل عن صلاته وأنا أعبد اللََّه منذ كذا وكذا؟ قال: فكيف بكاؤك؟ فقال: أبكي حتى تجري دموعي، فقال له العالم: فإن ضحكك وأنت خائف أفضل من بكائك وأنت مُدِلّ، إن المدِلّ لا يصعد من عمله شيء» الوسائل 1: 101/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 9.
وهي ضعيفة سنداً بوجهين: من جهة محمّد بن سنان لعدم ثبوت وثاقته، ومن جهة نظر بن قرواش لأنه مجهول. وكذلك دلالة لأن عدم صعود العمل أعم من البطلان، وإلّا للزم الحكم ببطلان عبادة عاق الوالدين وآكل الرِّبا ونحوهما ممّا ورد أن العمل معه لا يصعد.
ومنها: ما عن أحمد بن أبي داود عن بعض أصحابنا عن أحدهما(عليهما السلام) قال: «دخل رجلان المسجد أحدهما عابد والآخر فاسق، فخرجا من المسجد والفاسق صدّيق والعابد فاسق، وذلك أنه يدخل العابد المسجد مُدِلّاً بعبادته، يُدِلّ بها فتكون فكرته في ذلك؛ وتكون فكرة الفاسق في التندم على فسقه ويستغفر اللََّه عزّ وجلّ مما صنع من الذنوب» الوسائل 1: 101/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 10.
وضعف سندها بالإرسال ظاهر. وأما دلالتها فهي أيضاً كذلك، لأن صيرورة العابد فاسقاً من جهة العجب لا دلالة له على إبطاله لأعماله، وإنما وجهه أن العجب قد يبلغ بالإنسان مرتبة يمنّ بعمله على اللََّه ويحقره، أو يعتقد أنه في مرتبة الإمامة والنبوّة وينتظر نزول جبرئيل، وقد يبكي ويتعجّب من تأخير نزوله وغير ذلك ممّا يوجب فسقه بل كفره. وأما صيرورة الفاسق صدّيقاً فهو من جهة تندمه وتوبته، وقد عرفت أن بالتوبة تتبدل السيّئة حسنة.
ومنها: ما رواه البرقي في المحاسن عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «إن اللََّه فوّض الأمر إلى ملك من الملائكة فخلق سبع سماوات وسبع أرضين، فلما أن رأى أن الأشياء قد انقادت له قال: من مثلي؟ فأرسل اللََّه إليه نويرة من النار، قلت: وما النويرة؟ قال: نار مثل الأنملة، فاستقبلها بجميع ما خلق، فتخيّل لذلك حتى وصلت إلى نفسه لما دخله العجب» الوسائل 1: 102/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 11. المحاسن 1: 214/ 391.
وهي ضعيفة من جهة جهالة خالد الصيقل الواقع في سندها، بل بابن سنان أيضاً، لأنه وإن ذكر في سندها مطلقاً إلّا أن رواية الصدوق مثلها في عقاب الأعمال عن محمّد بن سنان عن العلاء عن أبي خالد الصيقل عقاب الأعمال: 299/ 1.
قرينة على أن المراد به هو محمّد بن سنان دون عبد اللََّه بن سنان. على أنه لا دلالة لها على بطلان العمل بالعجب، بل تدلّ على أن العجب صفة مذمومة موجبة للهلاكة.
ومنها: ما عن أبي حمزة الثمالي عن أبي عبد اللََّه أو علي بن الحسين(عليهما السلام)قال «قال رسول اللََّه(صلّى اللََّه عليه وآله)في حديث: ثلاث مهلكات شحّ مطاع وهوى متّبع، وإعجاب المرء بنفسه» الوسائل 1: 102/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 12.
وقد عرفت في نظائرها أن إهلاك العجب بمعنى استلزامه لمثل التحقير لعبادة الغير أو التكبّر أو تحقير اللََّه سبحانه أو غيرها، ولا دلالة لها على إبطاله العمل والعبادة.
ومثلها رواية سعد بن طريف عن أبي جعفر(عليه السلام) الوسائل 1: 103/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 13. لكن ورد فيها: «ثلاث موبقات» بدل«ثلاث مهلكات». مضافاً إلى ضعف سندها بأبي جميلة مفضل بن صالح.
ومنها: ما عن السري بن خالد عن أبي عبد اللََّه(عليه السلام)عن آبائه في وصيّة النبي(صلّى اللََّه عليه وآله وسلم)لأمير المؤمنين(عليه السلام) قال: «لا مال أعود من العقل، ولا وحدة أوحش من العجب» الوسائل 1: 103/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 14.
وهي مضافاً إلى ضعف سندها أجنبية عن المدعى. والوجه في كون العجب أوحش من الوحدة أن العجب بنفسه أو بعمله يوجب تحقير الناس أو التكبر ونحوهما مما يوجب الرغبة عنه فيبقى وحيدا.
ومنها: ما عن أنس بن محمّد عن أبيه جميعاً عن جعفر بن محمّد عن آبائه(عليهم السلام)في وصيّة النبي(صلّى اللََّه عليه وآله)لعلي(عليه السلام)قال: «يا علي ثلاث مهلكات شحّ مطاع، وهوى متّبع، وإعجاب المرء بنفسه» الوسائل 1: 103/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 15. والسند في الوسائل هكذا: بإسناده عن حماد بن عمرو وأنس بن محمّد عن أبيه جميعاً.... وهي مضافاً إلى ضعف سندها قد تقدّم الكلام في نظيرها فليراجع.
ومنها: ما عن أبان بن عثمان عن الصادق(عليه السلام)في حديث قال: «و إن كان الممر على الصراط حقاً فالعجب لماذا؟» الوسائل 1: 103/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 16.
ولا دلالة لها على بطلان العمل بالعجب ولا على حرمته بوجه، لأنها نظير ما ورد من أن الموت إذا كان حقاً فالحرص على جمع المال لماذا، أو ما هو بمضمونه. وظاهر أن الحرص على جمع المال لا حرمة فيه وإنما تدلّ على أن الحساب إذا كان حقاً ووصول كل أحد إلى ما عمله وقدمه حقاً فالعجب أي أثر له.
ومنها: ما عن العلل عن النبي(صلّى اللََّه عليه وآله)عن جبرئيل في حديث قال«قال اللََّه تبارك وتعالى: ما يتقرب إليّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، وإن من عبادي المؤمنين لمن يريد الباب من العبادة فأكفّه عنه لئلا يدخله العجب فيفسده» الوسائل 1: 104/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 17. علل الشرائع 12: 7.
ولا دلالة لها على بطلان العمل بالعجب، لأنه أُسند الإفساد إلى نفس العامل بمعنى هلاكه لا إلى العمل والعبادة. مضافاً إلى أنها مروية عن النبي(صلّى اللََّه عليه وآله)بطريق لا يمكن الاعتماد عليه.
ومنها: ما عن عبد العظيم الحسني عن علي بن محمّد الهادي عن آبائه(عليهم السلام) قال «قال أمير المؤمنين(عليه السلام): من دخله العجب هلك»
الوسائل 1: 104/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 18.
وقصورها من حيث الدلالة نظير ما تقدمها، حيث أُسند الهلاك إلى المعجب من حيث تعقبه بمثل الكبر والتحقير والكفر ونحوها، مضافاً إلى ضعف سندها بمحمّد بن هارون وعلي بن أحمد بن موسى.
ومنها: ما عن الصادق(عليه السلام)عن آبائه(عليهم السلام)قال«قال رسول اللََّه(صلّى اللََّه عليه وآله): لولا أن الذنب خير للمؤمن من العجب ما خلا اللََّه بين عبده المؤمن وبين ذنب أبداً» الوسائل 1: 104/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 19.
وقد تقدّم الكلام في نظيرها في ص29 فلا نعيد.
و منها: ما عن الثمالي عن أحدهما(عليه السلام)، قال: «إنّ اللََّه تعالى يقول: إنّ من عبادي لمن يسألني الشيء من طاعتي لأُحبه، فأصرف ذلك عنه كيلا يعجبه عمله» الوسائل 1: 105/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 20 وقد مرّ الكلام في نظائرها فليراجع.
ومنها: ما عن الثمالي أيضاً عن علي بن الحسين(عليه السلام)قال«قال رسول اللََّه(صلّى اللََّه عليه وآله): ثلاث منجيات خوف اللََّه في السرّ والعلانية، والعدل في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر، وثلاث مهلكات هوى متبع، وشحّ مطاع وإعجاب المرء بنفسه»
الوسائل 1: 105/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 21 ، وقد عرفت الحال في نظائرها.
ومنها: ما عن أمير المؤمنين(عليه السلام)في نهج البلاغة قال: «سيّئة تسوءك خير عند اللََّه من حسنة تعجبك» الوسائل 1: 105/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 22. نهج البلاغة: 477/ 46.
وقد أسلفنا الكلام فيها وقلنا: إن خيرية السيّئة المتعقبة بالتوبة من جهة تبدلها إلى الحسنة، بخلاف العبادة مع العجب لأنه يذهب بثوابها ولا تتبدّل إلى حسنة، ولا دلالة لها على إبطال العجب للعمل في ص22.
ومنها: ما عنه(عليه السلام)في النهج: «الإعجاب يمنع الازدياد» الوسائل 1: 105/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 23. نهج البلاغة 500: 167 لأنّ المعجب لا يرى حاجة إلى تكثير العبادة والعمل.
و منها: ما عنه(عليه السلام)أيضاً: «عجب المرء بنفسه أحد حساد عقله»
الوسائل 1: 105/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 24. نهج البلاغة: 507/ 212.
ولا دلالة في شيء منها على حرمة العجب ولا على إبطاله العبادة.
و منها: ما عن داود بن سليمان عن الرضا عن آبائه(عليهم السلام)عن علي(عليه السلام)قال: «الملوك حكام على الناس، والعلم حاكم عليهم، وحسبك من العلم أن تخشى اللََّه، وحسبك من الجهل أن تعجب بعلمك»
الوسائل 1: 105/ أبواب مقدّمة العبادات ب 23 ح 25.
وهي مضافاً إلى ضعف سندها لا دلالة لها على فساد العمل بالعجب، وإنما تدل على أنه ناشئ عن الجهل كما مرّ.
فالمتحصل:
أنه لا دلالة في شيء من تلك الأخبار على حرمة العجب بالمعنى المتقدِّم من حيث مقدمته أو إزالته، ولا على بطلان العمل به مقارناً كان أو متأخِّراً، وإنما تدلّ على أنه من الصفات الخبيثة المهلكة البالغة بالإنسان إلى ما لا يرضى به اللََّه سبحانه كما أسلفنا.
بقي من الأخبار رواية واحدة وهي ما رواه يونس بن عمار عن أبي عبد اللََّه(عليه السلام)، قال: «قيل له وأنا حاضر: الرجل يكون في صلاته خالياً فيدخله العجب فقال إذا كان أوّل صلاته بنيّة يريد بها ربّه فلا يضره ما دخله بعد ذلك فليمض في صلاته وليخسأ الشيطان»الوسائل 1: 107/ أبواب مقدّمة العبادات ب 24 ح 3.
حيث قد يتوهم دلالتها على بطلان العبادة بالعجب المقارن إذا كان في أوّلها، لقوله(عليه السلام): «إذا كان أوّل صلاته» إلّا أنها كسابقتها قاصرة الدلالة.
أمّا من حيث سندها فربّما يتوهم أن علي بن إبراهيم إنما يروي عن محمّد بن عيسى بواسطة أبيه إبراهيم بن هاشم كما في جامع الرواة وغيره ولم تثبت روايته عن محمّد بن عيسى بلا واسطة، والواسطة لم تذكر في السند، مضافاً إلى أن في نفس محمّد ابن عيسى كلاماً، وفي روايته عن يونس كلاماً آخر، على أنها ضعيفة بيونس بن عمار لعدم توثيقه في الرجال. ويدفعه ما قرّرناه في محلِّه من رواية علي بن إبراهيم عن الرّجل بلا واسطة، وأن محمّد بن عيسى في نفسه قابل للاعتماد عليه، كما لا بأس برواياته عن يونس فلاحظ معجم رجال الحديث 18: 103 113.
نعم يونس بن عمار لم يوثق في الرجال ولكنّه حيث وقع في أسانيد كامل الزيارات فلا بدّ من الحكم بوثاقته.
و أما من حيث دلالتها فلأنه لا بدّ من حمل الرواية على معنى آخر، لعدم إمكان حملها على ظاهرها من جهة القرينة العقلية واللفظية. أما العقلية فللقطع بأن العجب لو كان مبطلاً للعمل فلا يفرق فيه بين تحققه أوّل العبادة وبين حدوثه في أثنائها أو في آخرها. وأما القرينة اللفظية فهي قوله(عليه السلام): «و ليمض في صلاته وليخسأ الشيطان» حيث إن العجب إذا تحقق وقلنا بكونه مبطلاً للعمل فلا معنى للمضي فيه لإخساء الشيطان، لأنه باطل على الفرض، وعليه فلا بدّ من حملها على الوسوسة الطارئة على الإنسان بعد دخوله في العبادة، لأن الشيطان عدو عجيب للإنسان، فقد يجيء من قبل الوسوسة في أن العمل مقرون بالعجب فهو باطل أو لا ثواب له، وقد أمر عليه السلام بالمضي في العمل وعدم الاعتناء به ليخسأ الشيطان. هذا كله في العجب.
انتهى والحمد لله رب العالمين
احمد خالد الاسدي
30 ربيع الثاني 1447 للهجرة
تعليقات
إرسال تعليق