شبهة عفا الله عنك/باسم الحلي

كتاب سنة الرسول المـصطفى وأبجديات التحريف

ص ١٨٨

 خطأ النبي في الإذن للمنافقين

قال تعالى: (عَــفَــا الله ُ عَــنــْكَ لِـمَ أَذِنــتَ لَــهُمْ حَــتَّـى يـَــتَــبـَــيــَّــنَ لَـكَ الَّــذِينَ صَـدَقُوا وتَــعْــلَـمَ الْــكَــاذِبــِـيــنَ((*).
يقول مفسرّو أهل السنة في سبب نزولها أنّ الرسول ( لماّ جمع أمره وشخص إلى غزوة تبوك لغزو الروم، استأذنه بعض الصحابة في عدم الخروج معه والبقاء في المدينة، فأذن لهم من دون أن يعلم من هو الصادق منهم ومن هو الكاذب، فعاتبه الله على ذلك خلال هذه الآية (*).
هذا ما قاله أولئك المفسرون في سبب نزولها، ولقد أجابهم القائلون بعصمة النبي ردّاً على ذلك بأجوبة صحيحة، لكنها فيما أعتقد لا تفي بالغرض، ولا داعي لاستعراضها؛ لطولها.
ومهما يكن من أمر، فما برّر به أولئك المفسرون ليس بصحيح، بل أنا أذهب إلى خلاف ذلك وهو أنّ الآية دالة على عصمة النبي ( على عكس ما قالوه وما برّروا به، والآيات التالية لآية الإذن أدلة مقطوعة الدلالة فيما أذهب إليه؛ برهان ذلك أنّ الله تعالى بعد أن قال: (عَــفَــا الله ُ عَــنــْكَ...( قال عزّ اسمه مباشرة: (لا يـَـسْتـَــأْذِنــُـكَ الَّـذِينَ يُــؤْمِنـُـونَ بــِاللَّهِ وَالْــيـَــوْمِ الآخِــرِ أَنْ يُـــجــَــاهِـدُوا بِــأَمــْـوالِــهِمْ وَأَنــفُسِــهِمْ وَاللَّهُ عَـلِــيمٌ بِــالْـمُـتَّــقِــيــنَ( إِنــــَّمــَــا يـَـسْــتـَــأْذِنــُـكَ الَّــذِينَ لا يُــؤْمِنـُـونَ بِــاللَّهِ وَالْـيـَــوْمِ الآخِـرِ وَارْتــَــابــَتْ قُــلُــوبُــهُمْ فَــهُمْ فِي رَيـــْبِــهِمْ يــَـتـَــردَّدُونَ(وَلَوْ أَرادُوا الْــخُــرُوجَ لأَعَـدُّوا لَــهُ عُدّةً? ولَـكِنْ كَــرِهَ الله ُ انـــْبِــعَــاثَــهُمْ فَــثَــبــَّـطَــهُمْ وقِـيـلَ اقْـعُـدُوا مَـعَ الْــقَــاعِـدِيــنَ(لَــوْ خَــرَجُـوا فِـيـكُمْ مــَــا زَادُوكُمْ إِلاّ خَــبــَــالاً وَلأَوْضَـعُــوا خِلالَـكُمْ يــَــبــْـغُــونَــكُمْ الْـفِـتْــنــَـةَ وَفِيكُمْ سَــمــَّـاعُونَ لَـهُمْ وَاللَّهُ عَـلِيمٌ بِــالـظَّــالِـمِـيــنَ ((*).

فالذي فعله الرسول ـ روحي فداه ـ أنّه لم يأخذ معه الذين لم يريدوا الخروج معه، وقد جاء فعله ( موافقاً تمام الموافقة لما أراده الله تعالى؛ فهو تقدّست أسماؤه كره: (انـــْبِــعَــاثَــهُمْ فَــثَــبــَّـطَــهُمْ وقِـيـلَ اقْـعُـدُوا مَـعَ الْــقَــاعِـدِيــنَ( وأكثر من ذلك هو أنّهم: (لَــوْ خَــرَجُـوا فِـيـكُمْ مــَــا زَادُوكُمْ إِلاّ خَــبــَــالاً وَلأَوْضَـعُــوا خِلالَـكُمْ يــَــبــْـغُــونَــكُمْ الْـفِـتْــنــَـةَ وَفِيكُمْ سَــمــَّـاعُونَ لَـهُمْ وَاللَّهُ عَـلِيمٌ بِــالـظَّــالِـمِـيــنَ (..

..إنّ الله تقدست أسماؤه هو الذي كره انبعاثهم، وهو الذي ثبطهم، وهو الذي أراد ـ ولا رادّ لحكمه ـ أن يقعدوا مع القاعدين، كلّ هذا لأنّهم كالداء الساري؛ ولو خرجوا مع المسلمين لهدّوا بنيانهم، وخرموا أساسهم، وفرقوا شملهم، وشتتوا صفّهم.. عقيدة وميداناً وقراراً؛ وسبب ذلك هو أنّ في صحابة رسول الله من هم: (سَــمــَّـاعُونَ لَـهُمْ(..

أقول: وإذا كان الأمر كذلك فأين خطأ النبي ( بربكم؟.

أَلأَنّ ما فعله ( جاء موافقاً تمام الموافقة لما أراده الله بنص القرآن؟.

يبقى الكلام في موردين الأول: (عَــفَــا الله ُ عَــنــْكَ( والثاني: (لِـمَ أَذِنــتَ لَــهُمْ حَــتَّـى يـَــتَــبـَــيــَّــنَ لَـكَ...( على أنّ الكلام في هذين الموردين إنّما هو في إطار أنّ ما فعله النبي جاء موافقاً لما أراده الله تعالى كما نصّت الآية، لا ينبغي أن نتناسى ذلك..؛ أما المورد الأول فقد ذكروا أنّ: (عَــفَــا( تلازم الذنب؛ إذ لا عفو إلاّ بذنب..

رأي الزمخشري في تفسير: (عَــفَــا الله ُ عَــنــْكَ( والرد عليه 

قال الزمخشري: قوله: (عَــفَــا الله ُ عَــنــْكَ( كناية عن الجناية؛ لأنّ العفو مرادف لها، ومعناه: أخطأت وبئس ما فعلت (*).

إلاّ أنّ هذا الكلام مع ما فيه من وقاحة مع قدس النبوة دليلٌ على أنّ الزمخشري المطروح عند البعض أماماً في علوم اللغة ليس خبيراً باستعمالات العرب في إنشاء الكلام الرفيع؛ لأنّ: (عَــفَــا الله ُ عَــنــْكَ( بناء على ما يقرره الزمخشري جملة إخبارية؛ أي أنّ الآية تخبرنا بصدور عفو في مقابل ذنب، لكن هذا الرأي ـ الوقح ـ خطأ محض، علاوة على أنّه جهل مطبق باستعمالات العرب بيقين؛ إذ لا دليل من كل استعمالات بني إسماعيل ( على خبرية الجملة؛ وحسبنا أنّنا لو سألنا كثيراً من عوامّ النّاس عن معنى: عفا الله عنك وأصلحك الله وما شابه ممّا استعمله العرب لما تردد هذا الكثير في أنّها دعاء؛ فالأصح على ضوء مقررات أدب العرب وطريقتهم في رفيع الكلام أنّها جملة إنشائية (= دعاء)..

آية ذلك أنّ القرآن نزل على لغة العرب، وعلى ضوء استعمالاتهم، وفي قوالب ما ركبّوه من تركيبات الألفاظ ونسيج الجمل، ولكن بإعجاز واضح، والمطلع على استعمالاتهم منذ عصر الجاهلية حتى نهايات العصر العبّاسي يجد أنّ مثل: عفا الله عن أمير المؤمنين هارون الرشيد، عفا الله عن الأمير الحجاج، غفر الله لأمير المؤمنين، غفر الله للأمير، أصلح الله الوالي...، وكل ما هو من هذا القبيل ليس هو إخبار عن ذنب، بل هو إنشاء (=دعاء) يراد منه تعظيم شأن المخاطب، وأنّ شأنه أعلى من شأن الآخرين..

وهل من المعقول أنّ مثل الحجاج والمنصور وهارون الرشيد وغيرهم ممّن كان يسفك الدم على أتفه الأسباب يُبْقُون على من يخاطبهم بمثل: عفا الله عن أمير المؤمنين أو أصلح الله الأمير إذا كان معناها الإخبار عن ذنب؟.

أم أنّ ما يفهمه معاوية ويزيد والحجاج والسفاح والمنصور وهارون الرشيد من هذا التركيب الأدبي هو الدعاء وتعظيم الشـأن؟.

إنّ العرب لا تفهم من هذا النحو من التركيب إلاّ أنّه دعاء (=إنشاء) يراد منه تعظيم شأن المخاطب، والذي له مطالعة مرضية لكتب الأدب الأم فضلاً عن باقي الكتب ككتاب الكامل للمبرّد، وأمالي القالي، وأدب الكاتب، والبيان والتبيين، بل غيرها كزهر الآداب، والأغاني، والإمتاع والمؤانسة والعقد الفريد و...، يفهم ما أردنا قوله بوضوح ويقين.

والأمثلة على ذلك كثيرة لا يستوعبها الجزء والجزءان، نذكر لك منها ما أثر في الكتب المعتمدة، ممّا ورد بالأسانيد المعتبرة، فمن ذلك ما أخرجه أحمد بسنده عن زيد بن عقبة الفزاري قال: دخلت على الحجاج بن يوسف فقلت: أصلح الله الأمير ألا أحدثك حديثاً...فقال الحجاج: بلى(*). 

وروى الحاكم أنّ معقل بن سنان وقع يوم الحرّة أسيراً، وهو يومئذ صاحب المهاجرين، فأُتي به مسرفاً بن عقبة ـ المتجبّر لا ذكره الذاكر بخير ـ فقال له: يا معقل بن سنان أعطشت؟ قال: نعم أصلح الله الأمير...(*) 

وأخرج البيهقي بسنده عن الشعبي، وكان قد خرج على الحجاج قال: فلمّا دخلت على الحجاج قال: وأنت يا شعبي ممّن خرج علينا وكثّر؟! فقلت: أصلح الله الأمير أحزن بنا المنزل وأجدب، وضاق المسلك، واكتحلنا السهر، واستحلسنا(*) الخوف، ووقعنا في خزية لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء قال الحجاج: صدقت(*). 

وفي فتح الباري قال الزهري للوليد بن عبد الملك بن مروان: أصلح الله الأمير(*). 

وفي تاريخ بغداد حكاية مهمّة لنا فيها أكثر من غرض ننقلها بطولها ذكرها الخطيب عن عمر بن حبيب العدوي القاضي، قال: وفدت مع وفد من أهل البصرة 

حتى دخلنا على أمير المؤمنين المأمون، فجلسنا، وكنت أصغرهم سناً، فطلب قاضيا يولى علينا بالبصرة، فبينا نحن كذلك إذ جيئ برجل مقيد بالحديد مغلولة يده إلى عنقه، فحلت يده من عنقه، ثم جيئ بنطع فوضع في وسطه ومدت عنقه، وقام السياف شاهر السيف، واستأذن أمير المؤمنين في ضرب عنقه، فأذن له فرأيت أمراً فظيعاً، فقلت في نفسي: والله لأ تكلمنّ، فلعله أن ينجو فقلت: يا أمير المؤمنين اسمع مقالتي؟؟!! فقال لي: قل. فقلت: إنّ أباك حدثني عن جدك عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال: »إذا كان يوم القيامة ينادي منادي من بطنان العرش ليقم من أعظم الله أجره فلا يقوم إلا من عفا عن ذنب أخيه« فاعف عنه عفا الله عنك يا أمير المؤمنين!!

فقال لي: آلله إنّ أبي حدثك عن جده عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقلت: آلله إنّ أباك حدثني عن جدك عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: صدقت إنّ أبي حدثني عن جدي عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا، يا غلام أطلق سبيله فأطلق سبيله وأمر أن أولى القضاء، ثم قال لي: عمن كتبت؟ قلت أقدم من كتبت عنه داود بن أبي هند، فقال: تحدث؟ فقلت: لا، قال: بلى فحدث فإنّ نفسي ما طلبت مني شيئاً إلاّ وقد نالته ما خلا هذا الحديث (يقصد كل الحديث) فإنّي كنت أحب أن أقعد على كرسي ويقال لي من حدثك فأقول: حدثني فلان. فقلت يا أمير المؤمنين فلم لا تحدث؟؟ قال: لا يصلح الملك والخلافة مع الحديث للناس (*).

مقصودي من إيراد هذه الحكاية بطولها فضلاً عن الاستشهاد بها، هو لفت النظر إلى المقطع الأخير منها؛ فالمأمون وإن كان عهده ذهبيّاً في نشر سنّة النبي قياساً بالعهد الأموي وعهد السفاح والمنصور والهادي والمهدي والرشيد؛ إلاّ أنّه من منطلق السلطويّة والحاكميّة يجزم بأنّ الحديث النبوي لا يصلح مع الخلافة والملك، وهذا نص في أنّ المأمون أسيرٌ لطريقة تفكير خصوم أمير المؤمنين علي القاضية بتغييب الحديث النبوي، وما أشبه صيغة المأمون هذه بصيغة حسبنا كتاب الله، وسيأتي البسط في ذلك في الفصول القادمة.. 

وأيّاً ما كان من أمر ففيما يخص المورد الثاني: (لِـمَ أَذِنــتَ لَــهُمْ( فنحن بين احتمالين؛ فإمّا أن يكون الاستفهام في الآية إنكاراً على الرسول (؛ لأنّه أخطأ وإمّا لا، والأول لا يصار إليه؛ للقطع ـ حسبما عرفت ـ بأنّ ما فعله الرسول ( موافق تمام الموافقة لما أراده الله؛ إذ قد نص الله تعالى على أنّ الأصلح للمسلمين وللدين هو عدم خروج أولئك وهذا هو عين ما فعله الرسول (.
استفهام التنزيه!!!!
فلم يبق إلاّ أن نفترض في هذا الاستفهام أنّه استفهام من نوع آخر؛ لم يذكره علماء الأدب، ولم يتعرض له أئمة النحو والبلاغة، بل لم يلتفت إليه أحد من أساطين اللغة أو من غيرهم، ولقد أمعنت التتبع والاستقصاء في كتب التفسير وكتب الأدب واللغة وغيرها فلم أجد له ذكراً، وفيما أذهب إليه أنّ هذا الاستفهام من مختصات المعجز القرآني والنسيج السماوي للغة العرب، ولقد اصطلحتُ عليه بـ: »استفهام التنزيه«.
بلى، هو ـ قد ـ لا يخرج عن حقيقة الاستفهامات التي ذكرها أساطين النحو العربي كسيبويه وغيره، لكنّه في القرآن ـ كما فيما نحن فيه ـ له أغراض لم يتعرض لها أولئك الأساطين، ولم يكن العرب قد ألفوها من قبل نزول القرآن، وأهم هذه الأغراض هو تنزيه النبوة عن النقص والدنس من جانب، وتوبيخ الآخرين وتقريعهم من جانب الآخر، وفيما اعتقد فهذا الشيء معلم من معالم الإعجاز في القرآن، ولأجل ذلك اصطلحتُ له اصطلاحاً خاصّاً، وعلى الباحثين في اللغة وعلوم القرآن أن يمعنوا النظر فيه!!
ونشير على وجه السرعة إلى أنّ هذا الاستفهام يتقوم بعنصرين؛ الأول: هو أنّ الله سبحانه وتعالى بعد أنْ يخاطب النبي بصيغة الاستفهام في قضية من القضايا، يباشر جلّت أسماؤه بالدفاع عن النبي؛ فيعلن تعالى ذكره في الآيات التي تتلو آية الاستفهام أنّ فعل النبي موافق لإرادته جلّ شأنه، فهذا هو العنصر الأوّل، وهو العنصر الأهمّ، والعنصر الثاني الذي يرفد الأول: هو عرض خطأ الآخرين في تلك القضية، وسنعرض لبعض الكلام حول العنصر الثاني لاحقاً.
ومن أمثلة هذا الاستفهام قوله تعالى: (وَإِذْ قَــالَ الله ُ يـَــاعِـيـسَى ابــْـنَ مـَــرْيـَمَ أَأَنـــتَ 
قُــلْــتَ لِـلــنــَّــاسِ اتـــَّـخِــذُونِــي وَأُمــِّي إِلَــهَـيــْـنِ مِـنْ دُونِ اللهِ قَــالَ سُــبــْـحـَــانَــكَ مـَــا يـَـكُــونُ لِـي أَنْ أَقــُولَ مـَــا لَــيــْسَ لِـي بِـحَــقٍّ إِنْ كُــنــتُ قُــلْــتُــهُ فَــقَــدْ عَــلِــمْــتَــهُ تَــعْــلَـمُ مــَــا فِــي نَــفْــسِــي وَلا أَعْــلَمُ مــَــا فِـي نَـفْــسِـــكَ إِنـــَّـكَ أَنــــْتَ عَــلاّمُ الْــغُــيـُـوبِ(مـَــا قُــلْــتُ لَــهُمْ إِلاّ مـَــا أَمـَــرْتـــَنِــي بِــهِ أَنِ اعْــبــُـدُوا الله َ رَبـــِّـي وَرَبــــَّـكُــمْ وَكُــنــتُ عَـــلــَــيــْـهِــمْ شَــــهِـــيــدًا مـَــا دُمــْتُ فِـيــهِمْ فَـــلَـــمَّـــا تَــوفَّـــيــْـتَـــنِـــي كُــنــتَ أَنـــْتَ الـــرَّقِــيــبَ عَــلَــيــْـهِـمْ وَأَنـــْتَ عَـلَـى كُــلِّ شَــيْءٍ شَـــهِــيــدٌ((*).
ونحن لو راجعنا كتب النحو والبلاغة والتفسير فيما يخص الآية لوجدنا أنّ العلماء مختلفون في الاستفهام الوارد فيها؛ فبعضهم يقول أنّه استفهام التبكيت(التوبيخ والتقريع)، وآخر يقول: إنّه استفهام التهديد؛ أي تهديد أولئك الذين اتخذوا عيسى وأمّه إلهين..
لكن ما قالوه ليس بتام؛ لليقين بأنّ عصارة أغراض هذا الضرب من الاستفهام بملاحظة التركيب الأدبي للآية هو تنزيه ساحة عيسى وأمّه (؛ فالغرض هو صون عيسى وأمه من هذه الخطيئة التي ما بعدها خطيئة، كما أنّ جانباً من الغرض ـ في نفس الوقت ـ تهديد وتقريع لمن تسول له اتخاذ إلهٍ مع الله تعالى ذكره؛ فأيسر ما هو واضح هو أنّ هذا الاستفهام يغلق الأبواب أمام أولئك الذين يريدون أن ينسبوا إلى مريم والمسيح ( أنّهما إلهان؛ وفيما نعتقد فهذا الغرض أهم بكثير من التهديد أو التبكيت الذي ذكره المفسرون وعلماء الأدب؛ آية ذلك أنّ الله جلت أسماؤه بعد أن ذكر الاستفهام باشر ـ بلا فاصلة ـ بتنزيه ساحتهما، وأنّهما بريئان من هذه الفرية.
ومن هذا القبيل قوله تعالى: (لِـمَ أَذِنــتَ لَــهُمْ( وكأنّ الله سبحانه وتعالى أراد أن يقول: أنا أجيب عن السؤال الذي يقول: (لِـمَ أَذِنــتَ لَــهُمْ( بدلاً عن الرسول (؛ تعظيماً لشأنه ( وتنزيهاً لساحته؛ فالرسول ( إنّما فعل ذلك لأنّه علم أنني كرهت: (انـــْبِــعَــاثَــهُمْ( ولأنّهم: (لَــوْ خَــرَجُـوا فِـيـكُمْ مــَــا زَادُوكُمْ إِلاّ خَــبــَــالاً وَلأَوْضَـعُــوا خِلالَـكُمْ يــَــبــْـغُــونَــكُمْ الْـفِـتْــنــَـةَ وَفِيكُمْ سَــمــَّـاعُونَ لَـهُمْ(.

أضف إلى هذا ليس من السداد أن تقتطع الآية من جسد السورة كما هو منهج أغلب المفسرين ابتغاء بيان معناها من دون ملاحظة بقية الآيات التي ترتبط معها موضوعياً؛ فلا ينبغي أن يخفى أنّ الاقتطاع يستنزف المعنى ويفرغ محتواه، بتضييع مناخ السورة وملامح جسدها. 

قصارى القول: إنّ الآية تنزه الرسول ( عن الخطأ مطلقاً، إذ لو كان هناك خطأ فهل يأتي الله تعالى ليعلن ـ في تلكم الآيات ـ عن موافقة ما فعل الرسول ( لإرادته تعالى أولاً، وبيان خطأ الآخرين ثانياً، أم أنّ العكس هو الذي ينبغي أن يكون؟!!! 

الرازي يفسر الآية بترك الأفضل وكذلك الشيعة

قال الرازي في كتاب عصمة الأنبياء: إنّ العفو يقتضي ترك المؤاخذة، وقوله: (لِـمَ أَذِنــتَ لَــهُمْ( مؤاخذة، فلو أجرينا قوله تعالى: (لِـمَ أَذِنــتَ لَــهُمْ( على ظاهره لزمت المناقضة، فعلمنا أنّه ليس المراد ذلك؛ مثلاً إنّما المراد التلطف في المخاطبة، كما يقال: أنت رحمك الله وغفر لك، وإن لم يكن هناك ذنب البتة، وأيضاً فهذا من باب التدبير في الحرب، وقد بينّا أن تارك الأفضل فيه قد يقرع ويوبّخ(*).

أقول: لا يستقيم القول بأنّ النبي ترك الأفضل في قضيّة الإذن بأيّ وجه من الوجوه؛ لاستلزام تناقض فعل الله تعالى، فإذا كان الله تعالى أخذ على رسوله ترك الأفضل فكيف تعلن الآيات التالية للاستفهام ـ كما بينّا سابقاً ـ أنّ الأفضل هو عدم خروجهم؛ لأنّه: (كَــرِهَ الله ُ انـــْبِــعَــاثَــهُمْ...(؟

أليس هذا يعني مطابقة فعل الرسول لما أراده الله تعالت حكمته وأنّه هو الأفضل؟. 

أقول: وهذا هو الذي يدعوني للقول بأنّ أجوبة القائلين بعصمة النبي في تفسير الآية غير تامّة بل مرتبكة؛ فهم يقولون ما يشبه قول الرازي هذا، وهو أنّ النبي ( ترك الأولى أو الأفضل ولم يفعل خطأ، ومثل هذا القول وإن كان محاولة شريفة ومطلوبة لتنزيه ساحة النبوة من كل دنس، إلاّ أنّه مع ذلك ليس قولاً سديداً؛ لأنّه 

ينطوي على تناقضٍ واضحٍ في فعل الله؛ والحاصل الذي لا مردّ له هو أيّ أولى هذا الذي تركه ( مع أنّ فعله جاء مطابقاً لما أراده الله تعالى حذو القذة بالقذة؟. 

إذا تم هذا (=العنصر الأول المقوم لحقيقة استفهام التنزيه) فالمتيقن هو أنّ الله سبحانه وتعالى بعد أن نزه الرسول ( عن ذلك، شرع ببيان خطأ الصحابة (=العنصر الثاني المقوم لحقيقة استفهام التنزيه) وقد قسمهم إلى قسمين؛ فالقسم الأول: المنافقون، وهؤلاء يسوؤهم ما يفرح الرسول (، والقسم الثاني: أولئك السمّاعون للفتنة والنفاق، وهم ممّن رافق الرسول ( في تلك الغزوة..

هذا مضافاً إلى أنّ بعض المنافقين ـ أيضاً ـ قد رافق الرسول ( وخرج معه في تلك الغزوة، يدل على ذلك ما ورد في بعض الأخبار التي أرسلها ابن كثير في سيرته إرسال المسلمات؛ فقد ذكر ما نصّه: أنّ ناقة رسول الله ضلّت فأمرهم بالبحث عنها؛ فقال منافق: يدّعي أنّه نبي ولا يدري أين ناقته!! 

فوصلت هذه الكلمة إلى الرسول ( فقام خطيباً فقال: »إنّ رجلاً قال: هذا محمد يخبركم أنّه نبي ويخبركم خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته؛ وإني والله لا أعلم إلاّ ما علّمني الله، وقد دلني الله عليها؛ هي في الواد، قد حبستها شجرة بزمامها« فانطلقوا فجاؤوا بها(*).

من هو المستفيد من قضية: (لِمَ أَذِنتَ ...(؟

توضح أنّ آية الإذن وما بعدها من الآيات نصٌ جليٌّ في أنّ كثيراً من الصحابة منافقون، وفيهم من ليس كذلك لكنّه سمّاعٌ للفتنة، ومن أمعن النظر في هذه المسألة يجد أنّ الآيات فضلاً عمّا ذكرناه من تنزيه ساحة النبوة إنما نزلت موعدة ومهددة لهذين القسمين من الصحابة.

والسجال بين السنة والشيعة لإثبات أو نفي خطأ النبي ( في هذه الواقعة قد أنسى الجميع تسليط الضوء على هذين القسمين، مع أنّ الأولى أن ينصب الحديث عليهما لا على الرسول (، وفيما اعتقد فهذه خطة مدروسة، وخيوط خفيّة لطريقة تفكير يراد منها الإغضاء عمّا اجترحه الصحابة من آثام وبوائق ونفاق وفتنة؛ في 

محاولة من محاولات التغطية والتستر؛ الأمر الذي لا يتم من دون الحط من قدر النبي ( والنبوة؛ وقد قيل ـ قديماً ـ إنّ أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم.

وبرهان ذلك أنّ القائلين بعدم عصمة النبي مشحونةٌ كتبُهم بالأخبار في أنّ الله عاتب الرسول ( لأنّه أخطأ، في حين لا نجدهم يتعرضون للصحابة السماعين الفتنة ولا للصحابة المنافقين بالذكر، فهل مرجع هذا الأمر إلى الصدفة أم مرجع ذلك إلى ما جزم به الطبري بقوله: تركت ذكره لما فيه ممّا لا تحتمله العامة(*).

وأمر عجيب ـ والله ـ أن تحتمل العامة الحط من النبوة والتوهين بالرسالة، ولا تحتمل أخطاء الصحابة المنافقين أو السماعين للفتنة، وفيما يبدو فإنّ هذين القسمين من الصحابة من أهل الشأن في حسابات الطبري والبخاري ومن نسج على منوالهما؛ فإنّه ما من خبر يبين خطأً ـ صغيراً كان أم كبيراً ـ صدر من الشيخين أبي بكر أو عمر أو عثمان أو خالد أو ابن عوف أو غيرهم من القرشيين إلاّ وأضاعوه، وأمّا رسول الله؛ سيد الأنبياء والمرسلين، ذو الخلق العظيم، فحدث ولا حرج، وكان من نيتي أن أبسط الكلام وتسليط الضوء على أولئك السماعين للفتنة والمنافقين، ورفع الستار عن أحوالهم، وأنّهم من عليّة القوم، لكن هذا خارج عن حدود هذه الدراسة، وسأعرض له إذا أعان الله في كتابنا اللاحق «عدالة الصحابة».

فبالنظر لملابسات ما تقدم في قضية الإذن فالمستفيد هم هذان القسمان من الصحابة، وكلاهما من خصوم أمير المؤمنين علي؛ آية ذلك ما أخرجه مسلم عن النبي ( في حقّ علي: » لا يحبّك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق« وسيأتي بسط الكلام في ذلك في الفصل الأخير من هذا الكتاب، فانتظر!!. 




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مقتل النفس الزكية ونقد للسيد الصدر

ولادة الامام الحجة ع