شبهة خطأ النبي سورة التحريم/باسم الحلي
كتاب سنة الرسول المـصطفى وأبجديات التحريف
ص ١٩٧
خطأ النبي كما في سورة التحريم
قال تعالى: (يـَــاأَيـــُّـهـَـــا الــنــَّـبِــيُّ لِمَ تُــحَـــرِّمُ مـَــا أَحَــلَّ الله ُ لَــكَ تَـــبــْـتَــغِــي مَـــرْضـَــاةَ أَزْوَاجِـكَ وَاللَّهُ غَــفُــورٌ رَحِــيمٌ).
قال الرازي في كتاب عصمة الأنبياء:
إنّ تحريم ما أحل الله ليس بذنب؛ بدليل الطلاق والعتاق، وأمّا العتاب فإنّ النهي عن فعل ذلك لابتغاء مرضاة النساء، أو ليكون زجراً لهنّ عن مطالبته مثل ذلك كما يقول القائل لغيره: لم قبلت أمر فلان واقتديت به وهو دونك، وآثرت رضاه وهو عبدك، فليس هذا عتاب ذنب، وإنّما هو عتاب تشريف.
أقول:
على ما في هذه الكلمة القيّمة من جودة إلاّ أنّها مرتبكة أيضاً؛ إذ ما هو الدليل على أنّ النبي آثر رضا أم المؤمنين عائشة مع أنّها مخطئة بإجماع؟ على أنّ قول الرازي: وأمّا العتاب عن فعل ذلك...، فيه أنّ الآية من هذه الجهة ليست بصدد العتاب البتة، بل لبيان حكم كفارة الحلف، كما أنّ الاستفهام الذي فيها ليس إنكارياً كما يشير إليه مثال الرازي السابق، وأمّا قوله: وإنّما هو عتاب تشريف، فهو أفضل ما قيل في تفسير الآية حتّى لحظة كتابة هذه السطور، لكنّه كذلك لا يتلائم مع ما قبله؛ إذ لو كان الاستفهام إنكارياً فليس هناك تشريف؛ فالقائل لغيره: لم قبلت أمر فلان واقتديت به وهو دونك..، إنكار بل ذمّ وهو أو هما لا يجتمعان مع التشريف، والالتزام به يقود، مرّة أخرى، لتناقض فعل الله تعالى؛ إذ كيف يشرّف تعالت قدرته النبيَّ ( مع أنّ الاستفهام ينطوي على الإنكار والذم؟!! هذا لا يصدر من حكيم ناهيك عن الله عزوجل.
لأجل ذلك فهذه الآية كالتي سبقتها؛ والاستفهام الذي فيها يهدف لتنزيه ساحة النبوة من جهة، ولتهديد الآخرين وإيقافهم عند حدّهم المشروع من جهة أخرى؛ آية ذلك أنّ سورة التحريم هي التي نصت على هذا الأمر؛ فبعد أن افتتح تعالى السورة بالآية الآنفة قال مباشرة:
(قَــدْ فَــرَضَ الله ُ لَـكُمْ تَــحِــلَّــةَ أَيـــْمـَــانِــكُـمْ وَاللَّهُ مَــوْلاكُمْ وَهُــوَ الْـعَــلِــيمُ الْــحَــكِــيمُ(وَإِذْ أَسَـــرَّ الــنــَّـبِــيُّ إِلَــى بـَــعْــضِ أَزْوَاجِــهِ حَــدِيــثــًـا فَــلَــمَّـــا نَــبــَّــأَتْ بِــهِ وَأَظْــهَــرَهُ الله ُ عَــلَــيــْهِ عَــرَّفَ بـَــعْــضَـهُ وَأَعــْرَضَ عَــنْ بـَــعْــضٍ فَـــلَــمَّـــا نَــبــَّــأَهـَــا بِــهِ قَــالَــتْ مَــنْ أَنـــْـبـَــأَكَ هَــذَا قَــالَ نَــبــَّــأَنِــي الْــعَــلِــيمُ الْــخَــبِــيـــرُ( إِنْ تَــتُــوبـَــا إِلَـى اللهِ فَــقَــدْ صَــغَــتْ قُــلُــوبـُـكُــمـَـــا وَإِنْ تَــظَـــاهـَــرَا عَــلَــيــْـهِ فَــإِنَّ الله َ هُــوَ مـَــوْلاهُ وَجِــبــْرِيــلُ وَصَـــالِــحُ الْــمُــؤْمِــنِــيــنَ وَالمَلائِـكَــةُ بـَــعْــدَ ذَلِــكَ ظَــهِــيــرٌ(عَــسَــى رَبـــُّـهُ إِنْ طَــلَّــقَــكُـــنَّ أَنْ يـُـــبـــْـدِلَــهُ أَزْوَاجــًـا خَــيــْـرًا مِــنــْكُــنَّ مُــسْـــلِــمـَــاتٍ مُــؤْمِــنَـــاتٍ قَــانِــتَــاتٍ تَــائِـــبـَــاتٍ عـَــابِــدَاتٍ سَـــائِــحـَــاتٍ ثَــيــِّــبـَـــاتٍ وَأَبـــْـكَـــارًا)
فإذا كان الرسول ( أخطأ فيما يزعمون، فهل يأتي الله سبحانه ليقرر خطأه أم خطأ الآخرين؟.
وإذا افترضنا أنّ الرسول أخطأ فما معنى:
(إِنْ تَــتُــوبـَــا إِلَـى اللهِ فَــقَــدْ صَــغَــتْ قُــلُــوبـُـكُــمـَـــا وَإِنْ تَــظَـــاهـَــرَا عَــلَــيــْـهِ فَــإِنَّ الله َ هُــوَ مـَــوْلاهُ وَجِــبــْرِيــلُ وَصَـــالِــحُ الْــمُــؤْمِــنِــيــنَ وَالمَلائِـكَــةُ بـَــعْــدَ ذَلِــكَ ظَــهِــيــرٌ) ؟.
وما معنى قوله تعالى: (عَــسَــى رَبـــُّـهُ إِنْ طَــلَّــقَــكُـــنَّ أَنْ يـُـــبـــْـدِلَــهُ أَزْوَاجــًـا خَــيــْـرًا مِــنــْكُــنَّ مُــسْـــلِــمـَــاتٍ مُــؤْمِــنَـــاتٍ قَــانِــتَــاتٍ تَــائِـــبـَــاتٍ عـَــابِــدَاتٍ سَـــائِــحـَــاتٍ ثَــيــِّــبـَـــاتٍ وَأَبـــْـكَـــارًا) ؟.
أقول:
فما معنى أن يذكر الله تعالى ذلك متغاضياً عن خطأه المزعوم؛ إذ أليس هو أولى بالاهتمام والبيان؟!!!.
لقد تمسك القائلون بعدم عصمة النبي ( من السلف بالآية الأولى، غاضّين النظر عن الآيات التالية لها عن عمد وعن غير عمد؛ لما في هذه الآيات من إعلان سماوي عن خطأ المتظاهرتين على النبي، ولما فيها من غضب لا يوصف على من أغضب الرسول، ولا إسراف ـ في الحكم ـ فهذا هو الطافح من مجموع آيات هذه السورة.
هذا مضافاً إلى أنّ البخاري روى في جامعه الصحيح بسنده عن عائشة قالت: كان رسول الله يشرب عسلاً عند زينب ابنة جحش ويمكث عندها، فتواطأت أنا وحفصة إذا دخل على أي ٍّ منّا فلتقل له: أكلت مغافير، إنّي أجد منك ريح مغافير.
أقول:
هذا نص لأم المؤمنين عائشة جليّ في أنّها وحفصة لا تريان حرجاً بالتواطؤ على رسول الله ( وجهاً لوجه، هذا مع عدم الغض عمّا يرافق ذلك من التوهين والاستهزاء بمقام النبوة، ولنا كل الحق في أن نتساءل عن حال هذه الطريقة من التفكير عند أمّي المؤمنين بعد أن يصطفي الله النبيّ لخير جوار كيف تريان مقام النبوة، وكيف تتعاطيان تراثها السماوي المصبوبة بجسد السنّة الشريفة؟.
الذي يدعونا لمثل هذا التساؤل هو أنّ أم المؤمنين عائشة ثاني شخصية روائية بعد أبي هريرة في الصحاح السنية الستة البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود والنسائي وابن ماجة؟!!!.
فهل ستروي حديث رسول الله ( وسنّته المباركة وهي أسيرة لهذه الطريقة من التفكير (=التواطؤ) أم ماذا؟.
وروى البخاري بسنده عن ابن عباس قال: مكثت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية فما أستطيع أن أسأله هيبة له حتى خرج حاجاً...، ثم سرت معه فقلت: يا أمير المؤمنين من اللتان تظاهرتا على النبي من أزواجه؟.
فقال عمر: تلك حفصة وعائشة.
قال ابن عباس: فأخذ عمر رداءه حتى دخل على حفصة فقال لها: يا بنية إنّك لتراجعين رسول الله حتى يظل يومه غضبان؟.
فقال حفصة: والله إنا لنراجعنّه.
ولا ندري كيف نلائم بين إقرار أمّ المؤمنين حفصة هذا وبين قوله تعالى: (والَّــذِيـنَ يــُـؤْذُونَ رَسُـــولَ اللهِ لَـــهُمْ عَــذَابٌ أَلِـــيـمٌ)؟.
ومن حقّنا أن نطالب القائلين بعدالة الصحابة أجمعين، الإجابة الموضوعية المقنِعة عن ذلك؟.
مهما يكن الأمر فالإكثار من الكلام حول خطأ النبي المزعوم في هذه السورة ـ إذن ـ يلازمه بالضرورة التقليل من حدة خطأ المتظاهرتين؛ أمّي المؤمنين عائشة وحفصة؛ إذ لا مشاحّة في نسبة الخطأ إلى عائشة وإلى حفصة بعد ثبوت خطأ النبي نفسه.
ولقد أعلن المحدثون وكتاب السيرة وأرباب التاريخ ـ كل بطريقته ـ أنّ الرسول ( كان يعاني الأَمَرَّيْن من أزواجه، وبالذات عائشة وحفصة، وها هي أمّ المؤمنين حفصة قد أصدقتنا القول بأنّه ( كان يبقى يومه غضبان بسببها وبسبب غيرها، وكذلك عائشة التي لا ترى أدنى حرج بالتواطؤ على رسول الله وجهاً لوجه، وأدهى من ذلك هو أنّهما كانا يخططان ويبرمجان لتحريف الحقيقة على الرسول كما نص على ذلك صحيح البخاري الذي ذكر أنّ عائشة قالت: فتواطأت أنا وحفصة إذا دخل على أي ٍّ منّا فتلقل له: أكلت مغافير إنّي أجد منك ريح مغافير.
وزبدة القول هو إذا كان الله تقدس ذكره أنزل هذه السورة وبخاصة الآية الأولى لبيان خطأ النبي، فهل يأتي بعد آيتين أو ثلاث ليقول: (فَــإِنَّ الله َ هُــوَ مـَــوْلاهُ وَجِــبــْرِيــلُ وَصَـــالِــحُ الْــمُــؤْمِــنِــيــنَ وَالمَلائِـكَــةُ بـَــعْــدَ ذَلِــكَ ظَــهِــيــرٌ(؟.
وهل يتكلم أدنى العرب معرفة بأساليب الكلام بهذا النحو المرتبك؛ الذي لا يشبه أوله آخره، ولا ينسجم صدره مع ذيله، فكيف بالقرآن كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟؟.
هذا ومجاراة للقائلين بترك الأولى نقول: لقد أفصحت آية الاستفهام والتي بعدها غاية الافصاح في عدم خطأ النبي، وخصوصاً قوله تعالى: (قَــدْ فَــرَضَ الله ُ لَـكُمْ تَــحِــلَّــةَ أَيـــْمـَــانِــكُـمْ)
فعلى ضوء ما رواه البخاري وغيره أنّ النبي ( حلف أن لا يشرب العسل ذا الرائحة الكريهة التي تؤذي من يشمّها، والذي سمته عائشة تواطؤاً مغافيرَ؛ فأين الخطأ مع أنّه لا كلام في صحة انعقاد النذر على أمر راجح؟.
إذ على ضوء مقررات المذاهب الإسلامية الفقهية؛ القديمة منها والحديثة، السنية والشيعية، للمسلم أن يحلف بأن يجتنب المباح والحلال في فرض من الفروض أو في صورة من الصور لغرض شرعي أهم؛ فمثلاً للمسلم أن يحلف أن لا يأكل الثوم حينما يذهب لزيارة صديق في بيته أو في محل عمله لمجرّد احتمال أنّ صديقه يتأذى من الثوم؛ وإذا حدث وأكل بعد الحلف، فالكفارة ولا شيء عليه، فضلاً عن أن تنزل سورة كاملة في شأنه.
وقوله تعالى: (قَــدْ فَــرَضَ الله ُ لَـكُمْ تَــحِــلَّــةَ أَيـــْمـَــانِــكُـمْ) يراد منه بيان حكم الكفارة الرافع لحكم الإلزام بسبب الحلف، وهذا الغرض مضافاً إلى ما ذكرناه من التنزيه أهم أغراض نزول السورة، وإذا كان الأمر كذلك ـ بالاتفاق ـ فأين خطأ النبي ؟!!!.
ثمّ يحسن التذكير بأنّ المحدثين رووا أحاديث مختلفة فيما حرّمه الرسول ( على نفسه؛ فالبخاري روى القضية بسبب العسل، وغيره روى أنّ الرسول حرم على نفسه سريته مارية القبطية، ولا يهمنا التعرض لذلك، بل ليس هو من شأننا الآن، على أنّه لا فرق في الموردين من الناحية الشرعية..، على أيّ حال فهذا تمام الكلام في الآية.
استفهام التنزيه وقاموس النبي :
أغراض هذا الاستفهام ـ فيما نحسب ـ وصلت إلى ذهن القارئ في ضوء ما مر،{راجع جواب شبهة عفا الله عنك} لكن لابد من التنبيه ـ مرّة أخرى ـ على أنّ أقسام الاستفهام التي ذكرها أئمة اللغة والنحو والبلاغة، والتي قد تربو على الثلاثين قسم، كانت قد جمعت ورتبت وصنفت طبقاً لاستعمالات العرب، وهذا وإن كان طبيعياً إلاّ أنّ تحكيم ذلك على القرآن والسنة النبوية في كل الصور والفروض خطأ محض؛ فمثلاً ألفاظ الصلاة والصوم والحج والزكاة والبيع وغير ذلك مما ورد في الاستعمالات السماوية وإن كانت تجمعها مناسبة معروفة بالكلمات العربية واستعمالات العرب، إلاّ أن هناك فرقاً لا ينكره أي عربي أو مسلم بين الصلاة في الاستعمالين العربي والسماوي، والذي أذهب إليه هو أنّ هذا الفرق لا يقف عند حد الكلمات كالصلاة والصوم و...، بل يتعدى إلى كثير من التراكيب اللفظية كالاستفهام الوارد في آيتي التحريم والعفو المتقدمتين، وإذا ما عرفنا أنّ الأحكام الشرعية والعرفية عموماً تابعة لموضوعاتها؛ فإنّ موضوع الاستفهام في آيتي العفو والتحريم مثلاً هو نفس النبوة مع ملابسات الدفاع السماوي عنها، وهذا أمرٌ لم يألفه الاستعمال العربي ولا يعرفه قبل نزول القرآن، وطبيعي أنّ العرب قبل الإسلام لم يكن من أغراض استعمالاتهم فيما يخص الاستفهام تنزيه ساحة النبوات السماوية؛ خاصة مع ملاحظة أنهم كانوا وثنيين...، وبعد أن جاء الإسلام جهد أئمة اللغة في كشف أسرار اللغة وبراعة العرب في الكلام، لكنهم ـ فيما أعتقد ـ أخطأوا كثيراً في تحكيم تلك الأسرار وتلك البراعة على القرآن؛ وذلك لأنّهم لم يعكسوا العملية، ولقد أشرت في كتابي: »الصلاة على الرسول المصطفى وآله« إلى أنّ المقولات السماوية لا يمكن الوقوف على كنهها ودلالتها بواسطة القاموس العربي بعد مجيء الإسلام من دون ملاحظة ما أسميته بـ: القاموس الوحيوي (=النبوي)؛ فإنّ مثل: الصلاة، الزكاة، أهل البيت، النار، جهنم، الجنة، الحشر، الحساب، العقاب، وآلاف غيرها، مختلفة في كل من القاموسين، نعم لا ريب في وجود مناسبة بين اللفظ الواحد في كلٍّ من القاموسين؛ كالمناسبة بين الحج بمعنى القصد (هكذا في القاموس العربي) وبين الحج الذي جاء به الإسلام، فكلاهما يضم معنى القصد مع أنهما مختلفان للغاية.
فعلى ضوء ذلك فالاستفهام الوارد في آيتي العفو والتحريم وإن كانت المناسبة قد تجعل منه استفهاماً ملحقاً بأحد أقسام الاستفهام العربي إلاّ أنّ هذا ليس نهاية المطاف؛ لليقين بأنّ للقرآن أغراضاً من الاستفهام أسمى بكثير من تلك الأغراض التي نطق بها العرب، وليس بعد تنزيه ساحة النبوة من غرض؛ آية ذلك ـ وهو ما لفت نظري ـ أنّ القرآن في الوقت الذي يهدف من الاستفهام في مثل تلك الآيتين السابقتين إلى تنزيه المقام النبوي من الدنس يؤكد على التبكيت (= التوبيخ) أو التقريع أو التهديد، وفضح النوايا اللامشروعة، وعلى أنّ هناك اتجاهاً ضد المسيرة النبوية والمشروع الإلهي ولو في محور من المحاور الحياتية، وآية ذلك ـ أيضاً ـ أنّه ليس من الاعتباط في شيء أن يشرع القرآن في الآيات التي تتلو آيات الاستفهام (في مثل آية العفو) ببيان طهارة النبوة وأنّها في مرحلة السلوك ـ لا أقل ـ مطابقة تمام المطابقة للإرادة الإلهية، وأن يشرع ـ في نفس الوقت ـ ببيان انحراف ذلك الخط الذي يحاول التضبيب على المسيرة النبوية والمشروع الإلهي من الدين، والقول هو القول في آية التحريم وفي قوله تعالى: (يـَــاعِـيـسَى ابــْـنَ مـَــرْيـَمَ أَأَنـــتَ قُــلْــتَ لِـلــنــَّــاسِ...)
وغير ذلك من الآيات في هذا الصدد.
وإنّما أسمينا هذا الاستفهام بـ: »استفهام التنزيه« لأجل كل ذلك، ولأجل أن العرب في استعمالاتهم للاستفهام قبل مجيء الإسلام لم يكن من أهدافهم ذلك، ثمّ يحسن التنبيه إلى أنّ النزعة العلمية لعلماء الإسلام في المجالات اللغوية وغير اللغوية تبدو كأنّها مقدمة على ما يقرره القرآن بلا إرادة، فتراهم يحكّمون ما قاله العرب الجاهليون على القرآن في تحديد المفاهيم القرآنية والمقولات السماوية، وهذا وإن كان صحيحاً في إطار القاموس اللغوي وفي إطار أنّ القرآن نزل على لغة العرب، إلاّ أنّ من أكبر الأخطاء التي ارتكبها العلماء بلا استثناء، سواء أكانوا من السنّة أم من الشيعة هو تحكيم ذلك على كل المفاهيم والمقولات والتراكيب القرآنية؛ لليقين بأنّ كثيراً ممّا ورد في القرآن وفي سنّة الرسول يعجز القاموس العربي عن بيانه وتعريفه كما في الصلاة والزكاة والصوم وأهل البيت والولي...، ولولا أن تصدى المعصوم لبيانه لم يتبين لنا المقصود ـ السماوي ـ منه حتى هذه الساعة؛ وربما سنعرض لذلك في البحث الذي عقدناه لتقسيم سنة النبي بملاحظة القاموسين العربي والسماوي، وهو بحث مهم جدّاً في مجال السنة النبوية والحديث النبوي..
لكن بقي أن نشير إلى أنّ العنصر الأوّل وهو تنزيه ساحة النبوة والدفاع عنها وبيان عظمتها السماوية، وأنّ كل سلوكيّاتها مطابقة لإرادة الواحد المطلق هو ما يمثّل حقيقة استفهام التنزيه، أمّا العنصر الثاني الذي يهدف إلى بيان خطأ الآخرين، فهو أمر متفرّع على الأول، والكلام في هذا طويل يكفينا هنا ما ذكرناه.
من هو المستفيد؟.
اتضح أنّ المستفيد من عملية إلقاء الخطأ بعاتق النبي في سورة التحريم أمّا المؤمنين عائشة وحفصة، ومن نسج على منوالهما من بقية هذا الاتجاه، لكن لا يعني ذلك أنّ مشروع التستّر على خطأ أمّي المؤمنين هاتين أنّهما باشرتا عمليّة رمي الخطأ بعاتق النبي، فحوّرتا الحقائق على الأجيال اللاحقة، فأنا أعتقد أنّ من جاء بعدهما كعروة بن الزبير؛ رمز العداوة لأمير المؤمنين علي وعموم بني هاشم وأمثاله، هم من رسم بالتعاون مع الأمويين ومع غيرهم منهجاً في الحط من قدر النبي والغلو في تقييم الصحابة، كل ذلك من منطلق بغض علي وبني هاشم؛ وسبب ذلك أنّ الدنيا لا تستقيم لخصوم علي إلاّ إذا بغضوه آيديولوجياً، لا شخصيّاً فحسب، والفرق بين البغضين كبيرٌ جدّاً، سيتضح في فصل مستقل لاحقاً..
على أيّ حال قد ورد في بعض الأخبار ما يحط من شخصية عائشة وحفصة بسبب سولكياتهما مع النبي؛ ومن ذلك أنّ النبي طلّق كلاً منهما، وطبيعي أنّ اللوم إذا رمي بعاتق النبي مرة يمكن أن يرمى بعاتقه في غيرها، وطلاقه ( لهما ـ قد يكون ـ من هذه المرات بالضرورة!!!.
ففي رواية طويلة للبخاري أنّ رسول الله طلق نساءه فقال عمر: قد خابت حفصة وخسرت كنت أظنّ أنّ هذا يوشك...، فاعتزل النبي صلى الله عليه وسلم من أجل ذلك الحديث حين افشته حفصة إلى عائشة وكان قد قال: »ما أنا بداخل عليهن شهراً« من شدة موجدته (=غضبه) عليهن...
وفي مجمع الزوائد: وعن قيس بن يزيد أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم طلّق حفصة تطليقة، فأتاها خالاها عثمان وقدامة ابنا مظعون فقالت: والله ما طلقني عن شبع.
أقول:
وقولها: ما طلقني عن شبع، ربما يكون معناه: طلّقني ولم يكن قد أشبعني من طعام في بيت الزوجية.
وحكى ابن راهويه عن ابن حزم قوله: ولم يصح عنه أنّه طلّق امراة قط إلاّ حفصة بنت عمر.
أقول:
بل التحقيق الذي لا يسعنا التطويل فيه هنا أنّ النبي طلّق كلاً من عائشة وحفصة دون نسائه؛ وما ورد في البخاري أو غيره ممّا ينتزع منه أنّ النبي طلق نساءه (جميعهنّ) باطل بيقين؛ لأنّه لا يسوغ ـ شرعاً ـ على النبي وهو أعدل النّاس أن يأخذ المحسن بذنب المسيء، وأنا اتحدّى الجميع أن يأتيني برواية واحدة صحيحة ـ بل ضعيفة ـ تخبرنا أنّ أم سلمة أو مارية القطبية مثلاً قد آذت إحداهنّ النبي مرة واحدة فقط طيلة معاشرتهن للنبوة، والكلام هو الكلام في اعتزال النبي لهنّ شهراً، فهو فيما يظهر في خصوص أمّي المؤمنين عائشة وحفصة، أو هذا هو ما تعلنه الأدلّة.
وذكر الطبراني بإسناده عن ابن عمر قال: دخل عمر على حفصة وهي تبكي فقال: ما يبكيك، لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم طلّقك إنّ النبي طلّقك وراجعك من أجلي.
والحاصل:
فلقد بان بأنّ المستفيد هو خصوص خصوم أمير المؤمنين علي، كما أنّ من يروي في دعوى خطأ النبي صلى الله عليه وآله ويمعن من الرواية فيها هم أولئك الخصوم دون غيرهم من بقية الصحابة والتابعين، وليت القائلين بعدم العصمة يروون لنا رواية تنفع أن تكون دليلاً على عدم العصمة عن عترة علي أو عن محبّيه، ولن يجدوها!! ثمّ إنّ أيسر ما يقال في ذلك هو أنّ هذه الملابسات تجسّم لنا بعض ملامح طريقة تفكير خصوم أمير المؤمنين علي في الدين والتاريخ.
تعليقات
إرسال تعليق