عدم عصمة الفقهاء
تكامل العلماء في الحوزات العلمية:
هناك من يتصور أن العلم في الحوزات العلمية قد ينتهي إلى شخص معين ويكون هو خاتمة المجتهدين الذي لا يأتي بعده أحد لسبب من الأسباب، كما قال بعضهم: (التصدي الاجتهاد والتقليد في النجف الأشرف تنتهي بالسيد الخوئي مد ظله وبعده لا يقوم أحد مقامه وهو خاتمة المجتهدين في النجف) [بيان الأئمة ج ١ ص ٣٢١].فالتعبير بأنّ أي عالم من العلماء بأنّه (خاتمة المجتهدين) وأن علم الفقه يقف بعده ولا يأتي السابقون ولا اللاحقون بعلمه كما هو الملاحظ من كلمات (العاطفيين) في ذاك الزمان وفي زماننا وفي كل زمان كما هو واضح لكل من تأمّل الواقع، هذا التعبير مجانب للصواب.
وأنا وغيري قبل أن ندخل إلى الحوزة العلمية كنّا نصدق بهذه الخطابات ونتعصب لها ونجادل حولها، ولكن بعد أن شاهدنا العلماء كيف يكمل بعضهم مسيرة بعض وأن العلم لا ينتهي عند أحد زال هذا التوهم، وصرنا نرى الأمور بنصابها وموازينها الحقيقية، ولنضرب لذلك أمثلة من الواقع العلمي وكلمات العلماء لتقف على حقيقة هذا الكلام.
نقل الشهيد الثاني زين الدين العاملي عن الشهيد الأوّل: (الاجتهاد في هذا الوقت أسهل منه فيما قبله من الأوقات؛ لأن السلف قد كفونا مؤونته بدكهم وكدحهم وجمعهم السنة والأخبار وتعديلهم الرجال وغير ذلك).
ثم علّق عليه الشهيد الثاني بقوله: (في زماننا أسهل منه في زمان الشهيد لزيادة سعيه وسعي من بعده في تنقيحه وتهذيبه وطريق العمل به) [رسائل الشهيد الثاني ج ٢ ص ٧٧١].
فانظر كيف يعترف كل متأخر لمن تقدم بالفضل وتعبيد الطريق وكونه من المساهمين في تطوير العلم الأمر الذي لا يجعل لأحد على أحد مزية تجعله هو الأول والآخر والباطن والظاهر!
ثم بعد هذا التسهيل وجهودهم المبذولة في البحث والتنقيب يأتي من بعدهم السيد مهدي بحر العلوم ويقول: (وكثيرًا ما يدّعي أحدهم أن المسألة خالية من النص، ثم يأتي آخر فيها بنص أو نصوص معتبرة، بل صحيحة من الكتب الأربعة فضلاً عن غيرها، والاستدراك بالنص على الشهيد الثاني كثير جدًا، واستقصاء المواضع التي اتفق له أو لغيره يفضي إلى غاية التطويل) [الاستعداد لتحصيل ملكة الاجتهاد ص ٢٧٦].
وهذا يعني أن كثيرًا من المسائل الفقهية التي ادعى فيها المتقدم عدم وجود نص فيها وجد لها المتأخر نصوص كثيرة من الكتب الأربعة وغيرها، الأمر الذي يعني أن فتاوى المتقدمين بعد اكتشاف خطأها غير صالحة للعمل ولا تبرأ بها الذمة بعد التيقن من مخالفتها للواقع، ولم يكن هذا الأمر يعرف ويكتشف لو لا سعي السيد بحر العلوم في البحث عنها.
وهكذا الحال في زماننا والفقهاء المعاصرين، أذ أن بعضهم يكمل بعضًا، وبعضهم يساهم في تطوير بعضهم الآخر، ولا يتوقف العلم عند حد معين، وكثيرًا ما ينبه الأحياء من العلماء إلى أخطاء من تقدمهم ويصلحوها ولو لا ذلك لكانا ندعي للفقيه المتأخر العصمة عن الخطأ وهي خاصة بالمعصومين (عليهم السلام).
ولعل من هذا الباب ذكر السيد الخوئي أن القول بجواز تقليد الميت يفضي إلى الاعتقاد بوجود ثلاثة عشر إمامًا، مع أن الأئمة المعصومين (عليهم السلام) اثنا عشر إمامًا فقط، قائلاً: (لا يمكن الإلتزام به لأنه خلاف الضرورة من مذهب الشيعة ولا يسوغ هذا عندهم بوجه لتكون الأئمة ثلاثة عشر!!) [التنقيح في شرح العروة الوثقى ج ١ ص ٨٢].
• الحكمة من المقطع المدرج
أن الشيخ الأيرواني (حفظه الله تعالى) كعادته في بحثه عند التنبيه على خطأ عند العلماء السابقين ينبه ويؤكد أنّ سببه عدم عصمة العلماء وهذا درس أخلاقي على أن الإنسان مهما بلغ من العلم والمنزلة والرفعة كالعلامة الحلي فإنه لا يصان من الخطأ والاشتباه لأن العصمة خاصة لأهل العصمة (عليهم السلام).
ولأجل ذلك يحتاج إلى العلماء في كل زمان لأنهم يكامل بعضهم بعضًا ولو لا ذلك لتوقف العلم وتعطلت الحياة العلمية، ولا يمكن أن يكون هناك عالمًا بالرغم من تطور العلم وبذل الجهد من الآخرين يكون هو الأوحدي الذي لا يأتي بعده أحد إلا إذا عطلنا عقولنا وتعاملنا بعواطفنا.
تعليقات
إرسال تعليق