صحة اعمال المخالفين
أعمال المخالفين للولاية:
يستغرب بعض الإخوة من فتوى السيد السيستاني في صحة أعمال المخالفين وكونها مبرئة للذمة، وقد هرج بعض الخطباء عليها بتهريجات لا تكشف إلا عن جهله وبعده عن الحقّ.فمن الأمور التي تذكر عادة في الفقه استنادًا إلى روايات أهل العصمة (عليهم السلام) أنّ المخالف أعماله السابقة مبرئة للذمة ولا يطالب بعدها بالقضاء إلا في مسألة الزكاة، وبراءة الذمة هو المقصود من صحتها.
ففي الرواية الصحيحة التي يرويها بريد بن معاوية - وهو من أعاظم أصحاب الإمام الصادق - عن الإمام الصادق (عليه السّلام) قال: (كل عمل عمله وهو في حال نصبه وضلالته ثم منّ الله عليه وعرّفه الولاية فإنّه يؤجر عليه… أما الصلاة والحجّ والصيام فليس عليه قضاء) [وسائل الشيعة ج ٩ ص ٢١٦].
وفي رواية صحيحة أخرى يعبر عنها الفقهاء بـ(صحيحة الفضلاء) أنّهم سألوا الإمام الصادق (عليه السّلام) عن الرجل يكون في بعض هذه الأهواء الحرورية والمرجئة والعثمانية والقدرية ثم يتوب ويعرف هذا الأمر ويحسن رأيه -أي يصير شيعيًا-.
أيعيد كلّ صلاة صلاها أو صوم أو زكاة أو حجّ أو ليس عليه إعادة شيء من ذلك؟ فقال الإمام (عليه السلام) : (ليس عليه إعادة شيء من ذلك غير الزكاة) [وسائل الشيعة ج ٩ ص ٢١٦].
والأخبار واضحة الدلالة على أنّ عمل المخالف مبرئة للذمة ولا يطالب بعدها بقضاء، ومن يدعيّ الحرص والمحبة لأهل البيت (عليهم السلام) ينبغي أن يسلم للصحيح من كلامهم ولا تأخذه أهواء المضللين يمينًا وشمالاً.
• تتمة مهمة!
هناك من يذكر الروايات التي تنص على: (أنّ الأعمال لا تقبل إلا بولاية أمير المؤمنين عليه السلام) وهذه الروايات لا إشكال فيها، ولكن يوجد أشكال في فهم معناها.
توضيح ذلك: أنّ هناك فرق بين (قبول الأعمال) و (إجزاء الأعمال) فقد يكون عملاً من الأعمال العبادية مجزيًا ومبرئ للذمة ولكنه غير مقبول، وهذا يحتاج إلى توضيح أكثر فنقول:
قد يصلي الفرد منا صلاته من دون خشوع وتوجه، ولكنه يأتي بها حسب الضوابط الفقهية التامة من الوضوء والتوجه للقبلة وغيرها، ولكن قلبه منشغل عن الصلاة وغير متوجه إلى الله تعالى.
ففي هذه الحالة يحكم على صلاته بالصحة ويقال: (صلاته صحيحة) ولا يقال: (صلاته مقبولة) لأنّ قبول الصلاة يحتاج إلى التوجه القلبي لله تعالى.
وهذا الأمر وارد في القرآن الكريم وفي أحاديث أهل العصمة (عليهم السلام)، فقد قال تعالى: {إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} (المائدة: ٢٧)، ومن الواضح أنّه ليس كل مصلٍ واصل إلى مقام المتقين وإن كان من الشيعة.
وفي صحيحة محمد بن مسلم عن الإمام الباقر (عليه السلام) : (إنّ العبد ليرفع له من صلاته نصفها أو ثلثها أو ربعها أو خمسها فما يرفع له إلا ما أقبل عليه بقلبه) [الكافي ج ٣ ص ٣٦٣].
فتبين إذًا، أنّ (قبول الأعمال) شيء و (صحة الأعمال شيء آخر، وليس كل عمل صحيح فهو مقبول، فحتّى الشيعي والموالي قد تصدر منه أعمال صحيحة، ولكنها غير مقبولة.
ففي صحيحة العيص بن القاسم عن الإمام الصادق (عليه السّلام) وهو يخاطب أصحابه من شيعته: (إنّه ليأتي على الرجل خمسون سنة وما قبل الله منه صلاة واحدة فأي شيء أشدّ من هذا) [وسائل الشيعة ج ٤ ص ٢٤]، بالرغم من أنّ صلاتهم صحيحة ووفق الشرائط إلا أنّها غير مقبولة لخلل في آداب الصلاة.
#والنتيجة: أنّ الروايات التي تقول: (إنّ الولاية شرط في قبول الأعمال) تتحدث عن (قبول العمل) وليس عن (صحة العمل).
هذا وقد شرح أستاذنا الشيخ شهاب الدين أحمد الفرق بين (القبول) و (الصحة) في كتابه (محاضرات في الفقه الاستدلالي ج ٢ ص ١٧) ببحث تخصصي مفصل كان منه ما تقدّم بتوضيح يقتضيه المقام.
تعليقات
إرسال تعليق